أعادت عملية إحتجاز ناقلة النفط الروسية "ميخانيك تشيبوراتيفMikhanyk Thepourativ"، قبالة شواطىء طرابلس الغرب، تسليط الأضواء على أوضاع ليبيا المأزومة وتقسيمها إلى مناطق نفوذ متعددة، كما سعي "داعش" لاستغلال الفوضى الحاصلة وانفلات الوضع الأمني ووضع موطىء قدم لها على أنقاض الدولة المتهالكة. فعقب إطاحة حكم معمر القذافي، وبعد الإنطباع السائد بأنها ستتحول نحو الديمقراطية الموعودة، غرقت ليبيا بالتجاذبات الداخلية والقبلية فتحولت من دولة إلى هيكل فارغ، وأفرزت سلطتين: واحدة تسيطر على العاصمة فيما أخرى تتخذ من مدينة "طبرق" مركزاً إنتقالياً لها.
ليبيا اليوم لم تتغير عملياً، فقد بقيت كما كانت في عهد معمر القذافي، سلطة خارج الشرعية الدولية. اما التصعيد المستجد بين حكومة الإنقاذ الوطني وروسيا فلا ينحصر بمصادرة ناقلة متهمة بتهريب النفط بقدر ما تكشف الجمر تحت الرماد بالعلاقة بين الطرفين، خصوصاً أن توجهات السلطة القابضة على طرابلس- الغرب ذات توجهات إسلامية، وهي بدت كمن يرد على تدخل روسيا العسكري في سوريا إضافةً إلى عوامل تاريخية أخرى. فلطالما كانت ليبيا بالنسبة إلى الكرملين منذ أيام الإتحاد السوفياتي بمثابة نقطة إرتكاز لها في شمال أفريقيا منذ إنقلاب العام 1969 أيام الحرب الباردة، خسرتها بعد الإطاحة بحكم معمر القذافي مما اثار إمتعاض وغضب موسكو. فقد خدعها نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي السابق، مدعوماً من الإدارة الأميركية، عندما طالب في مجلس الأمن بإقرار الحظر الجوي فوق أجوائها من دون إدراج العقوبات تحت الفصل السابع، أي تأمين غطاء الأمم المتحدة للتدخل العسكري فيما كان الهدف الأساسي قلب حكم القذافي ووضع اليد بالكامل على ليبيا.
عصفت التغيرات الداخلية في ليبيا وشبح التقسيم يخيم الآن على مكوناتها وسط فوضى عارمة قد تمتد سريعاً نحو شمال أفريقيا بحكم موقعها الإستراتيجي، الأمر الذي قد يحولها قبلة المجاهدين الإسلاميين في المرحلة اللاحقة.
بالعودة إلى قرصنة الناقلة الروسية "ميخانيك تشيبوراتيف Mikhanyk Thepourativ " في 17 أيلول المنصرم، وبغض النظر عن مبررات حكومة "خليفة الغويل" في طرابلس الغرب حول تهمة تهريب النفط، إلّا أنّه من الواضح أن هذه العملية أتت على خلفية إستهداف مصالح روسيا في حوض البحر الأبيض المتوسط لوقف إندفاعة بوتين نحو المنطقة.
الناقلة "ميخانيك تشيبوراتيف Mikhanyk Thepourativ " متهمة بالشروع بتهريب النفط، وقد ألقي القبض عليها من قبل خفر سواحل حكومة الإنقاذ الوطني المسيطرة على العاصمة الليبية، في منطقة زوارة الواقعة غرب العاصمة، وكانت على بعد 60 كلم من حدود ليبيا مع تونس بطريقها نحو مصراتة وتبلغ حمولتها نحو 5 ملايين ليتر. وفق ما كشفت مصادر أمنية في الحكومة الإنقاذية لـ "لبنان 24" والتي أفادت بأنه تم احتجازها مع طاقمها المؤلف من 11 رجلا وإمرأة وسوقهم إلى مرفأ طرابلس الغرب.
في المقابل تلتزم موسكو الصمت سوى ما صرّحت به المتحدثة بإسم الخارجية الروسية "ماريا زاخاروفا" بأن إحتجاز السفينة الروسية وطاقمها هو عمل غير قانوني مطالبة السلطات في طرابلس بالإفراج عنهم فوراً من دون قيد أو شرط.
من جهته، اعتبر مسؤول العلاقات الخارجية في حكومة الإنقاذ د. جمال زوبية أن ملف ناقلة النفط وطاقمها هو بيد القضاء حالياً بعد تحويل كامل القضية للنيابة العامة فيما جرى توكيل محامي لمتابعة أوضاع طاقم السفينة الذين يتمتعون بصحة جيدة ويتلقون معاملة حسنة.
وأكّد زوبية على إيجابية التعاطي مع هذه القضية قائلاً إنّ الجانب الروسي بادر بالقيام بإتصالات غير مباشرة عبر سلسلة وساطات طالما أنّ لا علاقات ديبلوماسية بين الطرفين.