تعقيباً على ما كشفته "صحيفة واشنطن بوست الأميركية" الشهر الماضي عن "الأهداف التي تسعى الادارة الأميركية الى الوصول اليها، وهي إقناع حلفائها العرب في الخليج بلعب دور أكثر نشاطا في استعادة الإستقرار بالمنطقة "، تتظهر خارطة الطريق التي تقوم الادارة الاميركية برسم خطوطها في هذه المرحلة للمنطقة، تحت عنوان "استعادة الاستقرار"، لتمرير ما تيسر من تسويات "لا يموت فيها الديب ولايفنى الغنم"، بالطبع هذه التسويات لا يمكن أن تمر "مرور الكرام "دون أن يحظى "لبنان" بقسط منها، ويبدو أن الإشارة الأولى لهذا المنحى بدأ مع تمرير هادىء لعقدة الترقيات بنتيجة "تعادل سلبي" لصالح طرفي النزاع الداخلي اللبناني.
فعدم وصول العميد شامل روكز الى سدة قيادة الجيش - بغض النظر عن مناقبيته المشهود لها وانجازاته وبطولاته الكبيرة - أعطى اشارة للفريق الذي يحارب بسيف "روكز" الى ضرورة تهدئة "اللعبة" قليلا، فالمعركة لم تنتهِ بعد ولبنان مازال خارج قبضة اي من الفريقين الآذاريين المتنازعين، هي ضربة باردة، استطاعت الادارة الأميركية أن تمررها عبر قنواتها الدبلوماسية بلفحة روسية، طلبا لتحصين الإستقرار والهدوء في لبنان، الذي بات حاجة تتقاطع عندها مصالحها ومصالح روسيا في آن واحد، فهي من جهة، تعتقد أنها، وبهذه الضربة قد أرسلت تطمينات لدول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بأن اميركا لن تسمح بتمرير اي استحقاق قد يفسر انتصارا لمحور الممانعة في لبنان، ومن جهة أخرى، تطمع باستعمال هذا التطمين كورقة يمكن من خلالها الضغط على المملكة لدفعها باتجاه المشاركة معها في رسم "شكل الاستقرار" الذي تسعى لإرسائه بالتواطؤ مع روسيا، تمهيداً لتأمين عبور هادىء وآمن للاتفاق النووي . وما يفسر ذلك القراءة التالية:
-تجهد روسيا لإراحة جبهات حلفائها في لبنان وسوريا واليمن بشكل خاص من خلال الضغط على اميركا لاستعمال ما لديها من دالة على المملكة العربية السعودية للدفع بها الى لجم حلفائها في لبنان بشكل خاص عن التهور المزعزع للاستقرار الذي يتمسك به "حزب الله" للتفرغ لقتاله في سوريا، والتراجع ايضا عن حملتها العسكرية في اليمن والتوجه نحو الحل السياسي، حيث كشف موقع "المونيتور" عن رفض المشرعين الديمقراطيين في الكونغرس والشيوخ الاميركيين إرسال اسلحة كبرى للمملكة العربية السعودية في اطار الضغط عليها لانهاء الحملة العسكرية في اليمن .
-دعوة المملكة العربية السعودية للنائب وليد جنبلاط في هذا التوقيت بالذات وبعد فتور كبير ساد العلاقة بينهما، لا يمكن قراءتها خارج سياق " شكل الاستقرار" الذي تتكثف المساعي الأميركية- الروسية للعمل على استعادته في هذه المرحلة للمنطقة، مستغلة علاقاتها وتحالفاتها الدولية والإقليمية لتمرير التسويات المرجوة بما يرضي مصلحتها، من هنا ليس مستبعدا ان يُحّمل يمين النائب جنبلاط " كتابا" من المملكة العربية السعودية الى الداخل اللبناني، على أن يقوم في المرحلة المقبلة مهمة تسويقه سياسيًا على خطي الانقسام الداخلي، وقد تكون احدى فصوله "شكل رئيس الجمهورية" الذي سبق وأعلن جنبلاط عنه في مقابلة أجراها مؤخراً في جريدة "السفير"ـ حيث دعا فيها الى استبدال مقولة "الرئيس القوي الذي سبق ان جربوه ولمسوا آثاره المدمرة، بمعادلة "الرئيس صاحب الحيثية التمثيلية الشعبية الذي يعبر عن طائفته ويكون في الوقت عينه ذاته مقبولا من البيئات الأخرى"، رابطا إنجاز الإستحقاق الرئاسي بحصول" صفقة أميركية –روسية- سعودية- ايرانية".
إذا هو فصل من فصول أخرى يشملها هذا الكتاب وقد سبق أن قرأ اشاراته كل من الرئيسين نجيب ميقاتي ونبيه بري، إثر انتهاء جلسة الحوار الأخيرة عبر ما أشارا اليه في تصريحاتهما حول نقطة "الإتفاق على سلة حلول متكاملة" لكل الإستحقاقات والملفات العالقة لا سيما استحقاق رئاسة الجمهورية.
بكل حال، تبقى العبرة في التنفيذ في ظل تأبط كل طرف من الأطراف الداخلية بيمينه "ورقته" الخاصة، متجاهلا كل "الكتب" التي تصب في خيره وخير وطنه معاً.
(ميرفت ملحم - محامٍ بالإستئناف)