يستوي المعارض السوري فايز سارة على كرسيه داخل مقر "الإئتلاف الوطني"، كأنه يأخذ إستراحة المحارب بعد ساعات مضنية من الكتابة من دون كلل أو تعب. علامات الحزن والأسى بادية على ملامح الصحافي والمثقف، الذي فضّل الإقامة في إسطنبول على عواصم أوروبا لقربها من وطنه والأرض الأحب على قلبه سوريا. تبدو الأحمال ثقيلة فوق أكتاف الرجل الستيني، ولكنها لم تُفقده بريق الأمل في عينيه، أو تُحبط عزيمته عند الحديث عن مستقبل سوريا كما أخبار مدنها وناسها رغم الواقع المأسوي.
لا يمكن الولوج بأي نقاش سياسي، مع فايز سارة، حول سوريا من دون التطرق لأحوال الصحافة ومعاناتها كما أحوال العواصم العربية، التي تعمها الفوضى الآن من القاهرة إلى بغداد فدمشق وبيروت وغيرها بينما كانت تضج في الماضي بحيوية ثقافية وفكرية فائضة.
يتجاوز، كسائر السوريين، معاناته الشخصية والإنسانية مع الغربة والموت، الذي لم يوفر إبنه. ويبدو فرحاً عند حديثه عن دور بيروت كعاصمة كوّنت له مخزوناً سياسياً وثقافياً وفكرياً جعله وفياً لها منذ فترة دراسته الجامعية، حيث بنى فيها صداقات نضالية هي راسخة حتى اليوم قبل العودة إلى دمشق في السبعينيات متابعاً مسارات حياته المتعرجة، كما معاناة مثقفيها لمجرد مطالبتهم بحرية الفكر والتعبير.
يعيد فايز سارة أسباب هجرة السوريين الراهنة صوب أوروبا وركوب البحار، لعوامل عدة، أولها في نظره، بطش أجهزة نظام الأسد ورفضه محاورة شعبه وصم الآذان عن مطالب هذا الشعب بالحرية والكرامة منذ اندلاع المظاهرات في مختلف المدن السورية وبروز التحركات السلمية. ويستعيد ما بذاكرته من وقائع كثيرة في هذا المجال، منذ استلام بشار الأسد دفّة الحكم وحتى اليوم، وأبرزها تجربة حراك المجتمع المدني الأول في أواخر العام 2005، أو ما سمي فيها "إعلان دمشق للتغيير الوطني والديموقراطي"، والذي كان سارة إلى جانب عدد من المثقفين كما المجموعات اليسارية المتفرقة قد أعلنوه، إلا أنهم جوبهوا بالقمع والسجن والترهيب.
يردّدها مراراً، وكأنه يؤكّد على مضمونها: "التطرف لا يُنتج إلا التطرف فيما "داعش" والمنظمات التكفيرية ليست سوى وجه العملة الآخر لأجهزة نظام الأسد ولا يمكن علاج أزمة سوريا إلا بإسقاط آلة الإجرام والقتل والوحشية".
وفق ذلك لا يرى سارة أن البر الأوروبي هو الحل المنطقي لمأساة الشعب السوري بقدر العمل على وقف عملية التهجير الداخلي في سوريا، إذ لا يمكن تدمير مقدرات سوريا واجتياح مدنها وتدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها تحت شعارات حماية النظام، وهذا ما هو حاصل منذ اندلاع الثورة وحتى اليوم.
من هنا يستنكر سارة صمت وعدم مبالاة المجتمع الدولي، الذي لم يحرك ساكناً عند بداية النزوح الجماعي في الداخل السوري، ما عزّز عملياً الصراع المسلح وسط العجز الحقيقي عن إيجاد حل سياسي لقضية ممتدة منذ خمس سنوات، هي عمر الأزمة السورية، في وقت لا يلوح في الأفق أي مؤشرات لحلول حقيقية، الأمر الذي أوصل الشعب السوري إلى انفجار موجة الهجرة الراهنة والمحفوفة بالمخاطر والموت هرباً من الجحيم القائم في وطنهم.
بالانتقال إلى مسار الأزمة السورية في ظل التدخل الروسي المستجد يرى سارة أن نظام بشار الأسد هو بأضعف حالاته بعد سنوات من قتاله الشعب السوري، كونه مستمر فقط بفعل الدعم الخارجي من عدة أطراف، بحيث تحولت سوريا إلى ساحة صراع إقليمية – دولية، وهؤلاء جميعاً انخرطوا بالقتال العسكري المباشر كي يؤمنموا دعماً معنوياً لما تبقى من نظام الأسد، ولكن ضمن سياق خدمة مصالحهم وتحقيق أهداف حضورهم بالمنطقة والعالم.
من هنا يجد سارة إختلافاً واضحاً بطريقة التدخل الروسي المستجد عن الحضور الإيراني: "الحضور الإيراني ضمن الأحداث في سوريا، جعل إيران صاحبة نفوذ وتأثير بالداخل، كما بقرارات النظام وتحديداً المتصلة بالصراع المسلح المباشر على الأرض، وكأن سوريا أصبحت واقعة تحت الحماية والإحتلال الإيراني المباشر، بينما تعمل روسيا بأسلوب مختلف لتشكيل مظلة دولية لحماية نظام الأسد من عقوبات دولية، ولا سيما مجلس الأمن كما الوقوف في وجه إمكانية تدخل عسكري خارجي في سوريا في وجه النظام. والأهم السعي المستمر لإعادة تأهيل نظام بشار الأسد ودمجه في المجتمع الدولي عبر بوابة إنخراطه في الحرب الدولية على الإرهاب وخاصة تنظيم "داعش".