"حاضر" هي الكلمة الوحيدة التي نطق بها إمام مسجد بلال بن رباح السابق الشيخ أحمد الأسير اليوم أمام المحكمة العسكرية، التي أحاطت الجلسة بتدابير أمنية مشددة داخل قاعة المحاكمة وفي أروقة مبنى المحكمة ومحيطه، بنشر عشرات العناصر من الشرطة العسكرية لتوفير الحماية اللازمة.
وكما كان متوقعاً فقد أُرجئت المحاكمة الى الخامس من كانون الثاني المقبل، بعد تقديم وكلاء الدفاع عن الأسير مذكرة دفوع شكلية اعترضوا فيها على أربع نقاط أهمها المطالبة ببطلان التحقيق الأولي الذي أجري مع الأسير أمام مخابرات الجيش كون الجهة الوحيدة المخوّلة استجوابه هي المحكمة العسكرية، التي وضعت يدها على الملف بموجب القرار الاتهامي.
وكانت هيئة المحكمة العسكرية التأمت عند الساعة الحادية عشرة والثلث برئاسة العميد خليل ابراهيم، لاستجواب الأسير في ملف أحداث عبرا، الذي مثل في حضور وكلاء الدفاع عنه أنطوان نعمة، محمد صبلوح وعبد البديع عاكوم، كما مثل جميع الموقوفين والمخلى سبيلهم المتهمين بالاشتراك في أحداث عبرا في حضور وكلائهم.
في مستهلّ الجلسة نادى رئيس المحكمة على الشيخ أحمد محمد هلال الأسير الحسيني، الذي كان يجلس في المقعد الخامس على يسار القاعة ومحاطاً بأكثر من عشرة عسكريين، فوقف الأسير وأجاب: "حاضر" الكلمة الوحيدة التي نطق فيها خلال هذه الجلسة. وفيما كانت أنظار الموجودين في القاعة مسلّطة عليه، بدا امام مسجد بلال بن رباح متجاهلاً لها مصوباً عينيه الى هيئة المحكمة وحدها.
الأسير الذي ارتدى عباءة بيضاء اللون وقبعته المعتادة ونظارتيه الطبيتين، بدا شاحب الوجه وقد خسر بضعة كيلوغرامات من وزنه، فيما استعاد نصف لحيته التي غزاها الشيب، ثم نودي على باقي المتهمين وعددهم 71 لم يتغيب منهم سوى المحاكمين غيابياً وأبرزهم ولدا الأسير محمد وعمر وشقيقه أمجد والفنان فضل شاكر.
على يمين القاعة، أُجلست والدة الأسير وزوجته في المقعد الخامس. فيما جلس ذوو شهداء الجيش في أحداث عبرا على المقعد الأول خلف فريق الدفاع عن المتهمين. وقد غصّت قاعة المحكمة بضباط وعناصر الشرطة العسكرية في الجيش اللبناني والمحامين والصحافيين. وتوزع المتهمون بين قفص الآتهام والمقاعد الأربعة الخلفية للقاعة من الجهتين.
في بداية الجلسة، أوضح رئيس المحكمة أن وكلاء الدفاع عن الأسير تقدموا بتقرير عن وضع موكلهم الصحي وحاجته الى المعاينة الطبية فتقرر تكليف الطبابة العسكرية في الجيش تشكيل لجنة طبية مؤلفة من طبيب نفسي وطبيب للسكري وطبيب صحة عامة ووضع تقرير مفصل عن حالة الأسير الصحية وايداعة المحكمة قبل موعد الجلسة المقبلة. فطلب محامو الدفاع أن يكون طبيب موكلهم الشخصي أحد أعضاء هذه اللجنة، فأوضح العميد خليل أنه بناء لتقرير اللجنة الطبية يمكن للمحكمة أن تكلّف أي طبيب متخصص لمتابعة وضعه.
بعدها تقدم وكلاء امام مسجد بلال بن رباح بمذكرة دفوع شكلية مؤلّفة من ثماني صفحات فولسكوب، أثاروا فيها عدة أسباب قانونية، منها عدم الأخذ بالتحقيق الأولي الذي أجرته مخابرات الجيش مع موكلهم، لأن ذلك يتعارض مع قانون أصول المحاكمات الجزائية، خصوصاً وأن المحكمة وضعت يدها على ملف عبرا وبدأت المحاكمة فيه وبالتالي لايحق لأي جهة أخرى استجواب المتهم. كما تضمنت الدفوع اعتراضاً على ملاحقة الأسير من دون إذن دار الفتوى كون الأسير إمام مسجد، وعلى نشر محاضر التحقيقات الأولية وعلى ملازمة محاكمة القاصرين والراشدين في القضية.
وقد عقّب المحامي محمد مراد على دفوع وكلاء الأسير، فأعلن تبنيه ما ورد في المذكرة لأنه يتقاطع مع وضع موكليه، فردّ رئيس المحكمة بأن عليه أن يقدم دفوعاً منفصلة، كما رفض العميد خليل طلب عدد من وكلاء باقي المتهمين الاطلاع على مضمون الدفوع باعتبارها لا تخضع لمبدأ الوجاهية قبل البت بقبولها أو رفضها من قبل المحكمة.
ثمّ تقرر ارجاء المحاكمة الى الخامس من كانون الثاني المقبل، والسماح لوالدة الأسير وزوجته بمقابلته في غرفة لائقة مجاورة لقاعة المحكمة وتسلمه بعض الأغراض الشخصية.
وبعد الجلسة وأمام المحكمة العسكرية، نّفذ أهالي شهداء الجيش اللبناني الذين سقطوا في معركة عبرا، اعتصاما طالبوا فيه بالإسراع في المحاكمة وعدم المماطلة وإنزال عقوبة الإعدام بالأسير.
وفي الجانب الآخر وبعد خروج والدة الشيخ الموقوف وزوجته من الغرفة التي جمعتهما به لمقابلته، صرّحت الزوجة أمل شمس الدين أنّ زوجها يعاني من مرض السكري المزمن ويحتاج إلى الكشف عليه ومتابعة وضعه الصحّي من قبل طبيبه كونه يأخذ إبر "أنسولين" كما أنّه يحتاج إلى أخصائية تغذية لتخصّص له نوعية طعام معين وهذا ما لا يوفّره له سجن الريحانية المسجون فيه زوجها، مشيرة إلى أنّ "الفحوصات الطبية والصورة الصوتية أظهرت أن الأسير يعاني من ثقب في صمّام القلب وحساسية مفرطة في يديه ورجليه"، مبدية عدم ارتياحها لوضعه الصحي خاصّة أنّه "خسر بضعة كيلوغرامات من وزنه"، وطلبت بـ"نقله إلى مكان لائق بإنسان مريض مرضاً مزمناً لا أن يبقى تحت الأرض في غرفة مساحتها متر ونصف المتر لا يدخلها نور الشمس".