"الخبر" الذي نشرته احدى الصحف المحلية عن ابحار يخت من "الزيتونة باي" على متنه "مجموعة من الاصدقاء" تقيم حفلة غناء و"مضاجعة جنسية"، اثار غضب عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعيّ الذين انهالوا بالتعليقات الساخرة واللاذعة، ما يفتح مجدداً أكثر من باب نقاش حول "اشكاليات" تتعلق بمهنة الاعلام والواقع الاجتماعي السائد.
"قصف" المنتقدون كلّ "الجبهات": الشكل والمضمون والوسيلة.. والاهداف! رفض كثيرون فكرة "التدخل" في شؤون الآخرين. اهي الحرية الفردية التي لا يحدّها سوى ايذاء آخرين، ما فكّر بها هؤلاء؟
لكن بدا واضحاً أن أكثر ما اشعل الغضب، هو لجوء بعض وسائل الاعلام الى نشر مثل هذه الاخبار من دون تقديم اي اثبات او دليل. او بالاحرى "موضة" الاعتماد على "خبريات" الجنس وعناوين "الفضيحة" لكسب اكبر عدد من الـ Clicks...وتالياً، الاموال!
سارة بيطار واحدة ممن علقوا بسخرية على "الخبر" المنشور، مختصرة نقدها بكتابة كلمتين: "متفرقات لبنانية"، في اشارة منها الى اسم "الصفحة" التي نُشر فيها النصّ. تشرح في حديث لموقع "لبنان24" انّ ما استفزها عملياً، ليس الموضوع بحدّ ذاته، انما مقاربته. وبيطار ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، الا ان تخصصها الجامعي في الاعلام ومواظبتها على القراءة واجراء الابحاث، يساعدانها في فهم طبيعة العملية الاعلامية و"تحسسّ" الخطوط الحمراء التي تعجّ في هذا المجال.
واذ تلفت الى أن الخبر لم يتضمن ذكر اسماء او وقائع او معالجة او تصويباً او تفسيراً لماهية المشكلة الحقيقية (اهي اخلاقية ام قانونية ام اجتماعية)، تخلص الى انه "سطحيّ بكل مستوياته، لا يحمل اي ملامح... بل انه اشبه "بحديث نسوان الفرن".
وتتابع: "ليس في ما نُشر أي نوع من العمل الصحفي او الرصانة التي تستوجبها "مهنة المتاعب"، ما يعني استخفافاً بالقارئ شكلاً ومضموناً، فقد اتى ايضاً ركيكاً لغوياً"، متسائلة "هل من مضاجعة غير جنسية مثلاً؟"
تقرّ بيطار ان المساحة الاعلامية باتت، للاسف، تعجّ بمثل هذه الاخبار التي تتوّسل الجنس والفضائح لزيادة الارباح. "في السابق، كان معيار نجاح الصحيفة يقاس بنسبة بيع الاعداد (طبعا اضافة الى المضمون)، اما في عصر "الاونلاين" فليس امام المواطن خيار شراء جريدة يفضلها عن سواها، بل النقر على الروابط.
بيطار تعتبر ان المرسل اليه بات مستهلكاً سلبياً أو بالاحرى متلقياً لا يبادر الى الاعتراض او المساءلة، وهذه مشكلة المجتمع ايضا مع الدولة.
لكن الا توّفر وسائل التواصل الاجتماعي مساحة وفرصة امام المتابعين للتفاعل اكثر مما كان متوافراً في عصر الجرائد الورقية والاعلام التقليدي؟
توافق بيطار أن ثمة امكانية للنقد، الا انها تعتبر أن المعادلة لم تعد "مدى تأييد المنشور او الاعتراض عليه". تعطي مثالاً: "حين نقوم باعادة نشر خبر للتعليق عليه سلباً فاننا نخدم، من حيث ندري او لا ندري، الوسيلة الاعلامية التي نشرته، وكلمّا زاد الاستفزاز تضاعفت "ارباحها". لقد تغّيرت قواعد لعبة الاستهلاك بحيث بات صعباً على الجميع استيعابها".
فهل حقاً باتت تميل دفّة الميزان الى وسائل الاعلام على رغم كل الشوائب، وما هي الاسباب والنتائج؟
ينطلق الدكتور في الاجتماع السياسي والباحث في الفكر القومي والميتولوجيا ميشال سبع من ثابتة ليست خافية على أحد: "وسائل الاعلام هي كناية عن شركات يملكها سياسيون وممولون وتهدف الى الربح الماديّ او الى الربح العقائدي".
وعليه، يشير في حديث لموقع "لبنان24" انه من "الطبيعي ان يلجأ هذا الاعلام الى البحث عن كل ما هو غريب وعجيب لنشره، بغية جذب اكبر عدد من القراء والمتابعين".
"لم تعد الاشكالية تدور حول مناقبية الخبر واخلاقيته، بل حول مردوده"، يشرح سبع لافتاً من ناحية اخرى الى ان المواطن اللبناني ملّ بدوره اخبار السياسة واهلها:" في السابق كان اللبنانيون متابعين أوفياء للاخبار السياسية، الا ان الافلاس السياسي الحاصل راهنا ابعدهم عن هذا المجال. لم يعد يهم المواطن قراءة خبر سياسي او تحليل، فهو يشعر بانه على علم مسبق بما سيقوله هذا الزعيم او ذاك".
ويتابع:" حتى ان وسائل الاعلام على اختلافها، باتت اليوم تعطي الاولوية للاخبار الاجتماعية، فنرى ان خبرا عن حادث سير او توقيف مهرب مخدرات يتقدم على ما سواه من اخبار سياسية او حتى وطنية".
الا ان سبع يعود ايضا في "تشريحه" للواقع الراهن، الى "طبيعة الانسان الذي يذهب عادة الى السهل والمغري والممنوع"، معتبراً ان "كل القضايا التي تضرّه يسعى اليها اكثر من تلك التي تنفعه".
ويخلص سبع الى ان اننا "بحاجة الى اعادة النظر في الممارسة التربوية التي يفترض ان تنعكس ايجابا على وسائل الاعلام والاحزاب السياسية والمجتمع والدولة وسياسييها".