لم ييأس رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون من ترشيحه لرئاسة الجمهورية، ولا يزال عاقدًا الأمل في النفاذ الى سدة الرئاسة الاولى، مستفيدًا من الثقة الكبيرة التي يمحضه إياها الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله، الذي كاد يقول لمن يعنيهم الأمر من معارضي عون في خطابه الأخير "ارفعوا الفيتوات وتعالوا لننتخب عون"، على حد قول أحد كبار القوم من أهل السياسة، وذلك عندما دعا الى رفع هذه "الفيتوات" وجلوس الجميع الى طاولة البحث للتفاهم على انتخاب رئيس جمهورية جديد من دون انتظار الملف النووي الإيراني وكل ما يجري في المنطقة، لأن الأزمات الإقليمية طويلة وهناك جبهات جديدة تفتح.
وبالطبع فإن السيد نصرالله في حديثه عن "الفيتوات"، إنما قصد الجانب السعودي الذي يقول البعض إنه يضع "فيتو" على عون، في حين أن ما يصدر في العلن عن الرياض يعاكس ذلك، ويشير الى أن القيادة السعودية تؤيد ما يتفق عليه اللبنانيون في شأن الإستحقاق الرئاسي. أما عون فكان قد قال قبل بضعة أسابيع أن القيادة السعودية لا تعارض ترشيحه، وأن من يضع "الفيتو" عليه هو وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل.
ولذلك فإن عون الذي لم ينقطع تواصله وحواره مع الرئيس سعد الحريري مباشرة وعبر صهره الوزير جبران باسيل الذي يواظب على لقاءات شبه دورية مع نادر الحريري مدير مكتب رئيس الحكومة السابق، يستفيد حاليًا من الحوار الجاري بين "حزب الله" وتيار "المستقبل" لتصعيد وتيرة حواره مع الحريري، وهو حوار كان ولا يزال يحظى بتأييد الحزب منذ أن بدأ قبل بضعة اشهر، فكان "العشاء غير السري" بين الرجلين في "بيت الوسط" مساء أمس.
في مرحلة ما وقبل أشهر قليلة شاع أن الحريري لا يؤيد ترشيح عون، ولكنه يكون مستعدًا لتأييده في حال أيده حلفاؤه المسيحيون في 14 آذار، وعلى رأسهم رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع. ولكن عون ذهب الى "بيت الوسط" هذه المرة حاملا في اليد الاولى ورقة "تقدم" يعتقد أن محور "المقاومة والممانعة" على جبهات عدة في المنطقة، خصوصًا في اليمن والعراق وسوريا، وهو تقدم يحتسبه في رصيده الرئاسي، وفي اليد الثانية الحوار الجاري بين "المستقبل" و"حزب الله"، وفي اليد الثالثة ورقة الحوار الجاري أيضًا بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" وما يرافقه من "غزل" سياسي بينه وبين جعجع وكلام عن لقاء قريب بينهما، وتعويل عوني على أن يبادر جعجع الى "تأييد" ترشيح عون، الذي يُنقل عنه أنه يرحب بجعجع في الرابية اذا جاء يبلغ إليه تأييده، لا للإتفاق معه على ترشيح شخصية مسيحية تشكل قاسمًا مشتركاً بينهما، لأنه لن يقبل بذلك إطلاقًا. بل أن عون قال لقريبين منه أن جعجع اذا كان يريد المجيء لغير تأييد ترشيحه "ما يعذب حاله"...
على أن عون إزداد اصرارًا على الإستمرار في الحوار مع الحريري بعد انطلاق الحوار بين "المستقبل" و"حزب الله"، لإعتقاده أن هذا الحوار هو "حوار سعودي ـ ايراني" بالواسطة، وأن الطرفين ما كانا ليجلسا معًا الى طاولة الحوار الا بعد "تغطية" سعودية - إيرانية. كذلك يعتقد عون أن حصول أي توافق بين الرياض وطهران سيؤدي الى "تسوية لبنانية" بينهما تحمله الى رئاسة الجمهورية وتعيد الحريري الى رئاسة الحكومة مجددًا فيما يبقى الرئيس نبيه بري في موقعه رئيسًا لمجلس النواب.
وفي رأي بعض السياسيين إن الموقف الذي سيتخذه جعجع لاحقًا من ترشيح عون، سواء التقيا أم لا، سيكون مؤشرًا على مدى جدية الرياض وطهران ورغبتهما في التوافق على إعادة تطبيع العلاقات بينهما وعلى حدود الدور الاقليمي لكل منهما وعلى العمل المشترك للمساعدة على تسوية الأزمات الإقليمية، خصوصًا في البحرين واليمن وسوريا والعراق ولاسيما أن البلدين متفقان على مواجهة الخطر المشترك الذي تشكله "داعش" عليهما. فإذا أيد جعجع ترشيح عون فسيكون ذلك مؤشرًا على ذلك التوافق الموعود بين السعودية وايران. أما اذا رفضه فإن هذا الرفض سيعني أن ما يجري من حوار بين "حزب الله" و"المستقبل" لا أفق سعوديًا ـ إيرانيًا له، وأن وظيفته أمنية فقط لإمرار المرحلة لبنانيًا بحد أدنى من الاستقرار الامني والمذهبي بما يخفف على لبنان تداعيات وانعكاسات معارك كثيرة ستشهدها المنطقة هذه السنة، وقد لمح اليها السيد نصرالله في خطابه في وضوح، خصوصًا عندما تحدث عن أن المنطقة "طُحنت وعُجنت" وهي "تُخبز" من جديد وسيتقرر من خلال هذا الخَبز مصيرها ومصير لبنان من ضمنها ومصير العالم.
(خاص "لبنان 24")