أحكام عرفية، عقوبات مسلكية، إجراءات تأديبية، غرامات مالية ونظام داخلي قائم بحدّ ذاته.. هذه القوانين والأنظمة ليست في دولة عسكرية ولا كيانات مدنية.. إنها بصراحة "جمهورية" سجن رومية التي نصّب بضعة سجناء أنفسهم حكّاماً لها، وبسطوا سلطانهم عليها تحت شعار "المصلحة العليا" للسجناء وحمايتهم من الجرائم والإعتداءات.
في ذاك السجن ابتكر "رُيّاسُه" أساليب للتحقيق وإصدار الأحكام في "جميع الجرائم"، وفق ما كشفته إفادات موقوفين ومخلى سبيلهم، مثلوا أمام المحكمة العسكرية وتحدثوا عن فظاعات "جمهورية رومية" التي يحكمها خمسة أشخاص معروفون بألقابهم الدينية وهم: "ابو عبيدة"، "أبو سليمان"، "أبو تراب"، "أبو الوليد" و"أبو البراء" كانوا يتحكّمون بكل شاردة وواردة في السجن، ويكاد لا يعرف أسماءهم الحقيقية سوى بضعة أشخاص، وللضرورات الأمنية أيضاً.
هذه الأسرار فضحتها جلسة عقدتها المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة العميد خليل ابراهيم، خصّصتها لاستجواب المدعى عليهم خالد يوسف والرقيب "ب.ح" ( مخلى سبيلهما)، اليمني سليم الصالح الملقب بـ"أبو تراب"، السوري نور الجمعة واللبنانيين محمد مرعي وشربل شليطا في قضية "التحضير للقيام بأعمال إرهابية داخل السجن ومحاولة الهروب منه عبر إدخال مادة "الكربير" إلى السجن، وأقدم الرقيب على التماس رشوة والتدخل في إحضار مواد خطرة مخالفا الأنظمة العسكرية".
هذه القضية تكّونت فصولها مع تعيين "ب.ح" (طُرد بعد ثلاث سنوات من الخدمة) مسؤولا عن دكان السجن، وأفاد أمام المحكمة أنّه كان على علاقة جيدة بالمتهم شربل شليطا (موقوف بجناية قتل)، وكان الأخير يُساعده في تفتيش الأغراض قبل إدخالها إلى الدكان، وذات يوم طلب منه شربل شراء مادة "الكربير" ليستعملها في تسخين الماء، وهدده بأذيته اذا لم يستجب لطلبه، وبالفعل أحضر له طلبه من محل "اشبمونات" وسلّمه إياه من دون مقابل بعد أن خبأ هذه المادة في سندويش مرتديللا.
المتهم شربل شليطا، أفاد أنّه خضع للتحقيق من قبل "مسؤولي السجن" المتهمين "أبو عبيدة " و"أبو سليمان" و"أبو تراب" و"أبو الوليد" بعد أن علموا أنه تمكن من إدخال 6 سماعات "ايرفون" إلى السجن من دون إذنهم. وقال: "اقتادوني إلى غرفة تقع في الطابق السفلي مخصّصة للتحقيق ولتعذيب السجناء، وتحت تأثير التعذيب وهول التهديد اعترفت لهم بإدخال "الإيرفون" بمساعدة الرقيب "ب.ح "، فتمّت محاكمتي وإصدروا حكماً بحقي قضى بتغريمي مبلغا من المال".
أكثر من ذلك، لقد أكد شليطا أنّه ممنوع على أي سجين أن يبيع أي شيء داخل السجن بطريقة "غير شرعية" أي من دون إذنهم، فأي تجارة داخل "رومية" يجب أن يوافق عليها أحد هؤلاء الأربعة وأنا "فتحت عحسابي". فعلّق العميد ابراهيم مستغربا: "أحكام وعقوبات وغرامات في رومية؟ لننتقل إلى هناك إذا".
وعن موضوع "الكربير" قال شليطا أنهم طلبوا منه إدخال هذه المادة بمساعدة الشاويش"ب.ح" ، فاتفق معه على الأمر مقابل أن يعطيه مئة دولار فيما وعده "أبو البراء" بأن يُهرّبوه معهم من السجن، نافيا تهديده له إنما عرض عليه المال.
وبسؤال الشاويش عن إفادة شربل، اعترف بأنه أدخل له السماعات إلى السجن بدون مقابل، أما "الكربير" فتحت وطأة التهديد لأن شربل كان على علاقة جيدة مع موقوفي فتح الإسلام ما جعله يأخذ تهديده على محمل الجدّ.
وقال الموقوف بلال ابراهيم المعروف بـ"أبي عبيدة" للمحكمة: "لم أعد أتدخّل بأي صغيرة أو كبيرة في سجن رومية خاصة بعد مقتل السجين غسان القندقلي، يكفي أنني ملاحق بخمس دعاوى ولا أريد التورط بدعاوى أخرى"، نافيا معرفته بموضوع "الكربير".
أمّا اليمني سليم الصالح المكنّى بـ"أبو تراب" أحد المسؤولين في المبنى"ب"، استغرب ما أسمّاه ادعاء شليطا في قضية سماعات في الوقت الذي تملأ الهواتف الخلوية وكمبيوترات الـ"لابتوب"، مؤكدا أنه كعسكري يعرف أن "الكربير" لا يُستخدم للمتفجرات بل لتخمير الموز مع التفاح ليصبح عرقا. وسأل: "اذا كانت لدينا نيّة للهرب فهذا يعني أننا سنقوم بعملية أمنية داخل السجن، فهل يُعقل أن أذهب الى شربل لمساعدتي أو أن أخبره بالأمر؟
المتهم خالد يوسف المعروف بـ"أبو الوليد" والذي لاحظت المحكمة أنّه حضر بـ"نيو لوك"، حيث سرّح شعره بالجيل، فسأله رئيس المحكمة هل الجيل مسموح اسلاميا؟، فأجاب: "نعم ، فأنا أغسل شعري قبل الوضوء "، وأوضح أن "كل الدعاوى التي ألاحق بها محض افتراء وآخرها موضوع "الكربير" الذي وبعدما أجريت بحثا عليه عبر الحاسوب، عرفت أنه يمكن أن ينفجر إذا خلط بالماء ووضع داخل قنينة دون أن يحدث أضرارا كبيرة".
وعن مسؤوليته في "رومية" قال :"الدولة كانت قد تخلّت عن مسؤولياتها منذ أكثر من 7 سنوات ما اضطرنا إلى إقرار نظام داخلي لحماية السجناء من جميع الجرائم ولاسيما تلك التي تحصل في مبنى المحكومين والمبنى "د" ومبنى الأحداث ومنها اللواط والمخدرات مثلا"، كاشفا أن هذا المبنى "فيه أكثر ما 1500 تلفون ومئات أجهزة الحاسوب"، مشيراً إلى أنّ "هاتف الـ"الأيفون6 " نزل في سجن رومية قبل أن ينزل في محلات الخليوي في لبنان"، مستسخفا مسألة التحقيق مع شربل بموضوع السماعات في الوقت الذي أُدخل فيه "كومبرسور" إلى السجن واتهامه بمحاولة تهريب السجناء عبر "الكربير" فيما كان من الممكن إدخال مادة الـ"c4" الشديدة الإنفجار، مُعتقداً أنّه ربما يكون شربل قد أدخل "الكربير" لفتح المجارير في حمامات المبنى.
وعند هذا الحدّ تقرر إرجاء الجلسة إلى 4 آذار المقبل، لمتابعة الإستجوابات.