اجتمع وزراء خارجية أربعة عشر دولة معنية بالأزمة السورية في فيينا، ولكنهم خرجوا كما دخلوا، منقسمين ومختلفين. لم يروا أنّ ثمّة مسألة أهمّ من بقاء الرئيس السوري بشار الأسد على رأس السلطة أو عدم بقائه، وتستوجب التوافق عليها، ألا وهي إنهاء مأساة شعب يتعرضّ لشتى أنواع العذابات، سواء من هذه الجهة أو من تلك، وقد أصبح أكثر من نصف السوريين لاجئين في الداخل وفي الخارج، مع ما يعنيه هذا النزوح من انعكاسات سلبية على النازحين أنفسهم وعلى الدول التي تأويهم على حدّ سواء.
فهل يُعقل أن تُحصر مسألة مصير شعب بأكمله ببقاء شخص أو رحيله، أم أنّ وراء الأكمة ما وراءها لتبرير استمرار الحرب المدمّرة، مع ما تفرضه مصالح الدول في معادلة التوازنات، التي لا تأخذ في حساباتها مدى كلفة هذه الحرب على مستقبل سوريا.
وما يجري في سوريا اليوم يعيد إلى الأذهان، ولو أختلفت الظروف والمعطيات، ما كان يخطط للبنان إبّان الحرب التي اجتاحته لسنوات، وكان للتدخل الإسرائيلي بصمات واضحة في ما حلّ باللبنانيين من مآسٍ وويلات، وما نتج عنه من دمار وتهجير، وقد اسُتخدموا وقودأ لها من كلا طرفي النزاع، حتى كانت تسوية الطائف التي وضعت نظرياً حدّاً لهذه الحرب العبثية التي انتهت بنظرية لا غالب ولا مغلوب.
وهذه المقارنة بين الأمس واليوم تقود حتماً إلى التأكيد أنّ التسوية السياسية للأزمة السورية آتية لا محال، سواء حُلّت عقدة الأسد أم لم تُحلّ، وهذه التسوية لن تكون بالتأكيد بين ليلة وضحاها، لأنّ جميع المتورطين بالحرب الدائرة فوق الأراضي السورية يحاولون حصد النتائج التي تضمن لهم وجوداً معيناً على خارطة المنطقة الجيوسياسية.
ولكن دون هذه التسوية مرحلة دامية قد تكون الأعنف منذ بداية الحرب، وهي ستمتد على أقل تقدير سنة من الآن، وفق ما يراه أكثر من محلل وخبير في شؤون المنطقة، وهذا الأمر يعني لبنانياً أن أزمة الرئاسة باقية عالقة عند تخوم المحاور الإقليمية. من هنا تبدو الحركة الدولية، وبالاخصّ الفرنسية، مجمدّة في انتظار ما ستؤول إليه التطورات على الساحة السورية، في ظلّ تصميم روسي على تمكين النظام السوري من استعادة بعض ما خسره من مواقع استراتيجية تساعده على فرض بعض الشروط متى حان وقت تصفية الحسابات السياسية.
وإلى أن تحين ساعة نضوج ظروف هذه التسوية يبقى لبنان في قاعة الإنتظار مع السعي إلى إبقاء ساحته في منأى عن تداعيات الأزمة السورية وتخفيف الأضرار عنه إلى حدودها الدنيا، وهذا ما يفسّر فحوى الرسائل التي يحملها أكثر من مندوب اممي للمسؤولين اللبنانيين بضرورة تفعيل العمل الحكومي والتشريعي وتسيير ما يمكن تسييره حفاظاً على ستاتيكو الإستقرار الداخلي، أمنياً ومالياً.