أكثر من عامين مرّا على مقتل السجين الفلسطيني غسّان قندقلي في سجن رومية، من دون أن يكشف النقاب عن هذه القضيّة. هل قتل الإسلاميون الذين حكموا سجن رومية قندقلي أم أن محاولات انتحار السجين السابقة، بالإضافة إلى فيديو انتشر بعد موته يطلب فيه من أحد المشايخ مساعدته لأنه يائس بعد الحكم عليه لأكثر من 15 سنة أشغال شاقة، يوحي بأنّه فعلاً انتحر شنقاً في مرحاض نظارة السجن؟
بالأمس، كانت هيئة المحكمة العسكريّة الدائمة برئاسة رئيسها العميد الركن الطيار خليل ابراهيم على موعد مع هذه القضيّة لاستجواب المتهمين الرئيسين بقتله قصداً بعد تعذيبه وضربه بشدّة وشراسة: اللبناني بلال خضر ابراهيم الملقّب بـ"أبو عبيدة" واليمنيّ سليم علي صالح الملقّب بـ"أبو تراب"، بالتعاون مع كل من: محمود مصطفى غصّة (مخلى سبيله)، ابراهيم مصطفى بيضون، الفلسطيني وليد جوزيف فرح (مخلى سبيله)، السوري بوغوس كيفورك طوروسيان، أمين أسعد قهوجي، خالد محمّد يوسف الملقّب بـ"أبو الوليد"، عامر مصطفى الجاسم الملقّب بـ"أبو قتادة"، المتهمين بالتدخّل بقتل قندقلي عن طريق القيام بأعمال من شأنها مساعدة الفاعل ومعاونته على الأفعال التي هيأت للجريمة وسهلتها وإخفاء معالمها، وقيامهم أيضاً مع "أبو تراب" و"أبو عبيدة" بضرب وإيذاء عدد من السجناء، خصوصاً أحمد ح. وخالد ن. فيما اتهم المعاون محمّد ط. والرقيب سمير أ. بإهمال واجباتهم العسكريّة.
وكان أوّل مدعى عليه يستجوب في الجلسة هو "أبو تراب". هو نفسه الذي يعتقد أنّه كان "أمير الإسلاميين" داخل "سجن رومية" وهو نفسه الذي اتّهم بأنّه قاد أعمال الشغب داخل سجن رومية منذ أيّام قليلة قبل أن ينقل مع "أبو عبيدة" إلى سجن الريحانيّة. وعلى رغم ذلك فإن الصيت الذي يسبقه لا يبدو ظاهراً على وجهه، هو الأربعيني غير الملتحي والذي لا يتعدّى طوله المتر و60 سم، والذي بات يتحدّث اللكنة اللبنانيّة بطلاقة بعد مضيّ أكثر من 7 سنوات على توقيفه داخل رومية.
وكما كان متوقّعاً، نفى "أبو تراب" ثم "أبو عبيدة" علاقتهما بقتل القندقلي، وإن كانت إفادات عدد كبير من المستجوبين في هذه القضيّة يؤكّدون ضلوعهما بقتله. وقد بدأت القصّة قبل يوم واحد من مقتل القندقلي، حينما أتى موقوفاً يدعى أدهم العلي إلى "أبو تراب" وأعطاه هاتفه لأن هناك امرأة قريبته تريد التحدّث معه، وأبلغته شكواها بأن قندقلي أرسل لها صوراً مخلّة بالآداب. وعلى الفور توجّه "أمير المبنى ب" إلى زنزانة السجين الفلسطيني وأخذ منه الهاتف وبعدما تأكّد من الأمر أمره بالنزول إلى النظارة على اعتبار أن كلّ أبواب المبنى "ب" بما فيها النظارة مفتوحة وغير مقفلة (قبل تنفيذ الخطّة الأمنيّة).
ويشير عدد من الموقوفين الى أنّ "أبو تراب" و"أبو عبيدة" ومعهم موقوفون آخرون، قاموا بضرب وجلد وتعذيب قندقلي داخل النظارة وسمعوا صوت صراخه، وليلاً قاموا بنقله إلى مرحاض الزنزانة حيث تمّ تعليقه من الشال الذي كان بحوزته في سقف الحمام، ليتمّ اكتشاف الأمر صباح اليوم التالي والاعتقاد أنّه شنق نفسه وفق إفادة الشاهد علي ص. فيما يؤكّد أحد الموقوفين أنّ الفاعلين أخرجوا قندقلي من المرحاض بُعيد اكتشاف الجريمة وكان لا يزال حيّاً، فقاموا بركله حتى الموت.
وبالإضافة إلى إفادات الشهود، فإنّ التقارير الطبيّة تؤكّد وجود كدمات على جسد قندقلي ناتجة عن الضرب والجلد الذي تعرّض له، مستبعدين إمكانيّة شنق نفسه وهو كان أصلاً مربوط اليدين عندما علّق داخل المرحاض.
وعلى رغم ذلك، فقد أنكر "أبو تراب" جلد قندقلي، مؤكداً أنّه طلب منه التوجّه إلى النظارة لتأديبه كما كان يفعل مع العديد من الموقوفين ولا سيّما الذين يتعاطون المخدرات، وهناك "ضربته كفّين"، ثم "توجّهت إلى الأعلى وتركته في النظارة لأعرف في اليوم التالي عبر عدد من المساجين أنه شنق نفسه".
كما نفى "أبو عبيدة" إقدامه على جلد قندقلي، لافتاً إلى أنّه لم يتمّ جلد أي موقوف "وإنما كنا نكتفي بضربهم بالأيدي، وذلك بالتعاون مع عناصر القوى الأمنيّة"، مشيراً إلى "أنني جئت آخر واحد إلى النظارة وذلك بعدما أتى العسكريون وتأكدوا من موت قندقلي".
كما استمعت هيئة المحكمة العسكريّة الدائمة لعدد من الموقوفين الذين تعرّضوا للضرب والجلد على يد "أبو تراب" و"أبو عبيدة" داخل النظارة التي تحوّلت إلى "غرفة للتعذيب" لتنفيذ الأحكام عبر الضرب والجلد، فيما رفض شاهدان الإدلاء بإفادتهما خوفاً على حياتهما وخصوصاً أنهما تلقيا تهديدات، ولذلك فقد قدّمت المحكمة إلى النيابة العامة طلباً بنقلهما من سجن إلى آخر، حتى يدليا بإفادتهما في الجلسة اللاحقة التي عيّنها ابراهيم في 16 أيلول المقبل.
(خاص "لبنان 24")