كلّ "الكوابيس" اليومية التي تلاحق اللبنانيين، ينجحون في "الإحتيال" عليها أو التهرّب منها أو الحدّ من تداعياتها.. إلّا أزمة السير. يوّد المواطن أن يكون "سوبرمان" فيعلو في الفضاء ويصل إلى عمله في الوقت المحدد. لكنّه لن يكون. وهكذا، تُتلف أعصابه وأمواله وساعاته هباءً على الطرقات، ويزداد تلوّث البيئة وتتهدد الصحة العامة، في وقت يبدو أنّ أزمة السير في لبنان تتفاقم، وهي آيلة إلى الأسوأ في حال لم يتمّ إيجاد حلول موقتة وطارئة، تزامناً مع وضع الخطط المستدامة وطويلة الأمد.
ما لا شكّ فيه أنّ ملف السير معقّد ومتشعب. مسببات "الاختناق" المروري كثيرة ومتنوعة ويتحمل مسؤوليتها أكثر من جهة. ففي هذا البلد الصغير جغرافياً، ثمة كثافة سكانية بخاصة في العاصمة والمدن المحيطة، اضافة الى ارتفاع الطلب على التنقل. ويعدّ غياب التخطيط المدني من أبرز العوامل المؤثرة في مشكلة السير، كما أنّ التعديات على الاملاك العامة وجملة من المخالفات في البناء ساهمتا في تفاقم الأزمة.
ولعلّ تعداد الأسباب الكامنة وراء أزمة السير يستلزم "تشريحاً" دقيقاً لمجمل الحياة اللبنانية على الاصعدة كافة، ويستحيل اختصار نتائجه ببضعة سطور. واذا كانت لائحة الأسباب تطول، فإن مهمة إيجاد الحلول الجذرية ليست بسهلة، وقد تتطلب سنوات من الجهود والعمل قبل أن تثمر. ولكن...في ظلّ هذه المعاناة التي باتت أشبه بغول يطارد اللبنانيين على مدار الساعة، الا يجدر بالدولة "فرض" إجراءات استثنائية وموقتة للحدّ من "كارثة" الازدحام المروري ريثما تُنجز الحلول المستدامة؟ (اذا ما وضعت اصلاً!)
محمد قباني
نطرح هذه الأسئلة والهواجس على رئيس لجنة الاشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النائب محمد قباني، فيسارع إلى الكشف عن ماهية الحلول: أولاً، تطبيق قانون السير بحزم، وثانيا والاهمّ، تنفيذ خطة للنقل العام في لبنان!
لا يطيل قباني الحديث عن اسباب الاختناق على طرقات لبنان، لكنه وفي حديثه الى "لبنان24" يرمي بسهام المسؤولية على المواطن و"المسؤولين" على حدّ سواء! برأيه، فان ثقافة اللبناني هي ثقافة السيارة لا السير: "باتت السيارة بالنسبة الى الشاب وسيلة "لشدّ البنات والتنمير". 80 % من الشعب اللبناني يستخدم في تنقلاته السيارات الخاصة، فيما يلجأ 20% فقط الى وسائل النقل العام. المطلوب هو عكس هذه النسب"!
ويستغرب قباني كيف ان "لبنان قد يكون البلد الوحيد في العالم الذي يصل فيه معظم التلامذة الى مدارسهم عبر السيارات الخاصة!"
نوافق قباني على أن المواطن اللبناني لا "يهضم" في قرارة نفسه فكرة التنقل إلا بسيارته الخاصة، لكنه، صدقاً، بات في هذه الايام مستعداً لفعل أي شيء مقابل التنقل بكلفة اقلّ ووقت أسرع ومن دون "حبوب أعصاب"! لكن فعلياً، لا خيار امامه حالياً!
سرعان ما يعترف قباني أن "لا تخطيط فعالاً على مستوى الدولة. نعم، المسؤولون لا يريدون إيجاد الحلول. هم ايضاً يلتزمون بثقافة السيارة، ليس هذا وحسب، بل انهم يعتمدون سياسة "الانفاق للانفاق"!
"ثم ان مشكلة المواقف في لبنان كبيرة"، يتابع قباني في محاولة لتبيان أسباب زحمة السير. "على اللبنانيين أن يفهموا أن الشوارع الداخلية لم تشقّ لركن السيارات انما للتنقل". يطرح رئيس لجنة الاشغال الحل:" عليهم تأمين سياراتهم في مواقف منازلهم او في "الكاراجات" أو في أي مكان آخر"!
سرعان ما يتدارك الامر فيستبق المنتقدين أو كل من قد يعتبر اقتراحاته غير علمية وغير قابلة للتنفيذ، فيقول:" لكنها المبادئ الأساسية لتحسين السير في أيّ بلد حول العالم"!
النقل المشترك
ولكن في سياق الحديث، يتضح أن الحلّ السحري الذي يؤمن ويعمل قباني لتحقيقه منذ 14 عاماً، هو تنفيذ النقل العام في لبنان! يكشف انه بحث هذا الموضوع مع السفير الياباني مؤخراً، ولا سيّما انه سبق وزار اليابان منذ مدّة وجيزة واطلع على وسائل النقل العام وعلى رأسها الخطوط الهوائية التي تسير في الشوارع الضيّقة والمكتظة.
كما انه لبّى دعوة البنك الدولي الى تركيا مطلع الصيف، حيث تعرّف على نظام bus rapid transit المعمول به في اسطنبول، فيقول:" قبل الزيارة كنت من مؤيدي القطار ولا سيّما بين محطة شارل حلو والمعاملتين، اما بعدها فصرت من انصار نظام الـ BRT، شرط اعتماده لعشر سنوات او 15 سنة، ومن ثم الانتقال الى نظام القطار".
بحذر يحاول قباني "زفّ" الخبر المفرح: "بعد 14 سنة، يمكننا القول إننا بدأنا بوضع القطار على السكة الصحيحة في موضوع النقل العام، ذلك ان الاتصالات جارية مع البنك الدولي، وقد تمنى قباني ان يتولى الاخير قيادة هذا الملف وليس فقط توفير قرض ميّسر، كي يتمكن من حسم اي خلاف بين اللبنانيين قد تكون خلفياته تقنية او...متعلقة بالمصالح الضيقة"!
وبانتظار ان تتكلل المساعي بالنجاح، الا تتطلب الازمة إجراءات فورية واستثنائية، نسأل قباني. ماذا عن نظام السير بالتناوب او ما يعرف بـ "مفرد مجوز" والذي طبق سابقاً في لبنان؟!
يجيب قباني فوراً: "آخر بلد ممكن أن يطبق فيه هذا الاجراء هو لبنان. لماذا؟ لأن اللبناني ذكيّ وسيعمل على تأمين سيارتين او لوحتين يتناوب على استخدامهما".
ماذا عن ضبط عملية استيراد السيارات وتحديد العدد؟ يردّ قباني:" ليش فينا نعملا هيدي بلا ما تطلع الصرخة"؟
لكنه يعقب: " بالتأكيد هنالك سلّة اجراءات يمكن البدء بها"، متنمياً لو أن ثمة بلدية أو منطقة تعمل على تشجيع ركوب الدراجات الهوائية واستخدامها كوسيلة نقل". السؤال الاخير: ماذا لو غابت الحلول او الاجراءات الموقتة؟ يختم قباني:" ذاهبون إلى الأسوأ حتماً"!