لا يشبه أحداً. له طريقته الخاصة في العمل السياسي، منذ اليوم الأوّل لإطلالاته العلنية. الذي يحبه، وأغلبهم من الجيل الصاعد، يرون فيه مشروعاً لمستقبلهم في هذا البلد "الذي يفضلونه على سائر الأوطان على رغم ما فيه من موروثات ثقيلة". أمّا الذين لا يحبونه، ولأسباب عديدة، يقدًرون حيويته وحماسته ويحترمون أراءه، وإن اختلفوا معه في الإستراتيجيات.
مندفع إلى حدود الجرأة. يسمي الأشياء بأسمائها من دون قفازات مخملية. العمل السياسي بالنسبة إليه ليس ترفاً بقدر ما هو اهتمام بشؤون الناس وشجونهم.
يأخذ البعض عليه أنه متحمس زيادة عن اللزوم، وهو لا يزال طري العود في التعاطي بالسياسة على الطريقة اللبنانية. ويرى آخرون أنّه استعجل في حرق المراحل عندما قرر الترشح لرئاسة حزب عمره 88 سنة، فيما يعتبر آخرون أنه "الرجل المناسب في المكان والزمان المناسبين.
وبين هذا وذاك وأولئك يبقى سامي الجميل، هو هو جماهيري يفضل أن يكون بين الناس وليس وراء المكاتب. يحرص على ادق التفاصيل. يتابع ويلاحق ويلجّ، حتى تأتي النتائج كما يبغي.
يستقبلك سامي في مكتبه في البيت المركزي في الصيفي ببشاشته المعهودة، ويحسسك بأن بينك وبينه معرفة عمرها سنوات، حتى ولو كنت تتعرف إليه للمرة الاولى. يترك ضيفه للحظات ليحضّر "النسكافيه" بنفسه.
اللقاء معه، وإن تخللته مودة، لم يخل من الحدّية، لأن ما حملناه إليه من اسئلة، لم تكن مسايرة، وكأننا نأتي إليه من المقلب الآخر. اسئلة واضحة وقاسية، لكن الاجوبة كانت أوضح واكثر قساوة، لأن له مقاربة جريئة للواقع السياسي.
البداية كانت استفزازية عندما قلنا له أنك بأتهامك الطبقة السياسية بالفساد انما تعمّم ذلك على كل من يشتغل في السياسة. الجواب كان بالمباشر وكأنه كان يعرف مسبقاً أن هذا اللقاء لن يكون عادياً، وهو مستعد بكل "اسلحته" للاجابة على اي سؤال، وهو كان يتمنى ألا نكون "لطفاء" في طرح الاسئلة غير العادية وغير المألوفة، حتى تأتي الاجوبة ايضاً غير عادية وغير مألوفة، ويقول: عندما تحدثت عن الفساد قصدت حالة ولم اسمِّ أحداً.
أنت صريح ويللي بقلبك على راسك لسانك، والعمل السياسي يحتاج إلى "حربقة"، بماذا اجاب: العمل السياسي تعلمته، ويشير إلى صورة كبيرة وراء مكتبه للشيخ بيار الجميل، من هذا الرجل الذي كان شعاره الصدق، وهو اسلوب اقنعني ولن أحيد عنه. فهل من غير المسموح لنا أن نكون في صف "الاوادم" في هذا البلد.
تحاول بخطابك أن تستقطب ولا تحسب للآخرين حساباً، وتبدو كأنك تحاول أن تغرف من صحن "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، يضحك ضحكة عريضة قبل أن يجيب: "ان لكل فريق ملعبه، ولكل طريقته في مقاربة الأمور. وأنا لست في عجلة من أمري، لأن القناعات تُبنى بالممارسة ولا تُفرض فرضاً.
وقد تزامن لقاؤنا مع انسداد الأفق على كل المستويات، إذ لم تخرج جلسة الحوار التاسعة بأي جديد، ووصلت أزمة النفايات إلى الطريق المسدود. ولا تلوح تباشير انعقاد جلسة لمجلس الوزراء، و"تشريع الضرورة" متعثر، على رغم دعوة رئيس المجلس إلى جلسة في 12 الجاري، ماذا بعد؟
ماذا بعد؟ بهذا السؤال يفتح النائب الجميل حديثاً عن انهيار المؤسسات، وهي نتيجة للفراغ في سدة الرئاسة. ومن هنا يبدأ. هل يعقل أن يكون عدد من النواب، عن سابق تصور وتصميم، غير مستعدين للنزول إلى مجلس النواب وانتخاب رئيس للجمهورية، أياً يكن هذا الرئيس. ويسارع إلى الجزم بأن لا أحد من فريقي المحورين الإقليميين: محور ايران (العماد ميشال عون) ومحور السعودية ( الدكتور سمير جعجع) سيصلان إلى بعبدا.
ومن سيكون الرئيس العتيد؟
في رأي الجميل هو الشخص المستقل في خياراته وغير الخاضع لهذا المحور أو ذاك، وبالتالي لن يكون النصر لهذا المحور أو ذاك، لا في لبنان ولا في سوريا. وإذا كان البعض يراهن على انتصار خيار أي من هذين المحورين في سوريا فهو سينتظر طويلاً.
مما يعني رئيساً وسطياً؟
رئيساً مستقلاً، يقول، وليس وسطياً بالمعنى المتعارف عليه، أي أن يكون له رأي واضح وصريح...
نقاطعه: ولكن ليس بالضرورة ألا يكون من هو في الوسط من غير اصحاب الرأي الواضح والصريح... والامثلة كثيرة.
لماذا لا تؤيدون وصول العماد عون إلى رئاسة الجمهورية وتنتهون؟
وبضحكة فيها الكثير من المرارة يقول: إذا كان يحظى العماد عون بالاكثرية النيابية فسأكون أول من يهنئه، ولكن حتى هذه اللحظة يبدو أنه لا يملك هذه الأكثرية. أما لماذا لا أؤيد ترشيحه فلأنه اختار خطاً سياسياً مغايراً لقناعاتي.
ولكن للرجل حيثية تمثيلية مسيحية ووطنية غير متوافرة لغيره؟
وعلى طريقة الإجابة عن السؤال بسؤال، سأل: بين العماد عون اليوم والشيخ بيار الجميل بالامس، مَن مِن الأثنين له الآن وكان له حيثية مسيحية أكثر؟ ومع ذلك لم يقل بيار الجميل أنا أو لا أحد، وقد نزل هو والرئيس كميل شمعون والعميد ريمون اده العام 1976 إلى مجلس النواب وانتخبوا الرئيس الياس سركيس، الذي لم تكن له حيثية شعبية.
ماذا تغيّر؟
الزمن تغيّر، يقول، والاخلاقيات تغيّرت، واحترام الأصول الديمقراطية تغيّر، والثوابت تغيّرت.
لماذا يحمل سامي الجميل السلم بالعرض، ولماذا لا تشاركون في جلسة "تشريع الضرورة"؟
"بكل بساطة لأننا لا نريد أن نخالف الدستور." ويسأل: كيف يطلب النواب من المواطن أن يحترم القوانين وهم يخالفون هذه القوانين والدستور؟
وفي تشبيه غير مألوف، يقول سامي الجميل: نحن في حزب الكتائب كمن يقف عند ألاشارة الحمراء في انتظار الضوء الأخضر، ويأتي من يريد أن يتجاوز الصف ويقطع على ألاشارة الحمراء، وهو يكيل لنا كل أنواع الشتائم لأننا نطبّق القانون. فمن يريد أن يطيح بالقوانين فليفعل. أما نحن فباقون في الصف حتى يتحوّل الاحمر أخضر. فإذا ارادوا جلسة لـ"تشريع الضرورة" فليفعلوا ذلك، ولكن من دون نواب الكتائب. موقفنا واضح. لن نخرق الدستور ولن نخالف القوانين.
ولكن سبق أن خالفتم القوانين عندما قبلتم بالتمديد لقائد الجيش؟
غير صحيح فالتمديد للعماد قهوجي، مع أني ضد مبدأ التمديد، حصل في شكل قانوني ووفق القانون، وكنا أمام خيارين: أما التمديد للقائد الحالي وإما الفراغ في قيادة الجيش في هذا الظرف الدقيق.
هل سامي الجميل مرشح لرئاسة الجمهورية؟
بضحكته المعهودة ينفي "لأني اريد أن أبقى حراً وأن يبقى صوتي مرتفعاً والذي لا يمكن لإحد أن يسكته."