سيناريوهات عديدة ومتناقضة تبرز كلّ يوم حول الصراعات في المنطقة وتداعياتها على لبنان، مبقيةً في معظمها ملف الرئاسة الأولى في مهبّ الريح، ريح التجاذبات الإقليمية العميقة، والحسابات الداخلية الضيقة المرتبطة بها، والتي إن دلّت على شيء، فعلى تضاؤل الأمل في حلول قريبة تعيد إلى البلاد رئيسها التائه بين استراتجيات الدول وتكتيكات الداخل، والذي بات التفتيش عنه كالبحث عن "ملك الغميضة"، والنقاش حوله أشبه بالجدل حول جنس الملائكة.
وثمّة من يقول إنّه لن يكون للبنان رئيسٌ قبل سنوات عدّة، وأنْ لا مجال لأن يُحسم هذا الأمر لا في المدى المنظور ولا حتى في الأمد المتوسط. فمصير لبنان على هذا المستوى مرتبط بالتطورات في سوريا التي هي بدورها قد التحمت تماماً بالملف اليمني، ولا حلول في اليمن قريباً. فبعد وقوع عدن في أيدي حلفاء الخط السعودي، من المرجّح أن يطول العراك في صنعاء حيث يبدو الحوثيون، ومن خلفهم الإيرانيون، على استعداد تام لخوض أعنف المعارك وبذل أقصى الجهود لبسط سلطتهم على هذه المنطقة، وفرض توازن قوى قد يؤخر أيّ نتيجة جذرية لمصلحة أحد في اليمن.
أمّا في سوريا، فمعالم عديدة تدلّ بمعانيها ورمزيتها على أنّ الصراع مرشح لأن يدوم لسنوات طويلة، أوّلها تجهيزات غير مسبقة لـ"حزب الله" بالعدد والعتيد لخوض معارك مصيرية له وللخطّ الإيراني الذي يمثّله على الأراضي السورية. والحديث في بعض الأوساط القريبة من النظام السوري يشير إلى جهوزية الحزب لإرسال ألوف المقاتلين الجدد على مراحل إلى سوريا، واستعداده في المقابل لما قد تحتّمه عليه مشاركته المكثّفة في المعارك من خسارة متوقعة في صفوفه، علماً أنّ "حزب الله" سبق واعترف بسقوط نحو ألف عنصر له منذ انضمامه إلى القتال في سوريا منذ نحو السنتين. وتضيف هذه الأوساط إنّ "حزب الله مهيأ تماماّ لسنين طويلة من الحرب في هذه البلاد".
وتشير الأوساط أيضاً إلى تحضيرات مماثلة من قبل موسكو، متحدّثة عن احتمال كبير بأن لا تكتفي روسيا بآدائها الجوي في سوريا، بل أنّها قد تبعث بقوات لها تدريجياً للمشاركة في المعارك الميدانية في مرحلة لاحقة. ويتقاطع هذا الكلام مع تسريبات بعض المصادر الغربية، مفادها أنّ الرئيس السوري بشار الأسد سمع كلاماً من هذا القبيل من نظيره الروسي فلاديمير بوتين أثناء اللقاء الذي جمعهما في موسكو منذ نحو الأسبوعين.
وتؤكّد الأوساط أنّ "ليس من تباين على الإطلاق بين سوريا وإيران حول الدور الروسي في سوريا كما يشاع أحياناً بل العكس تماماً، فإيران قد شجّعت ونادت بدخول الروسيين على خط الأزمة السورية". وتشدّد الأوساط على الإتفاق والتنسيق التام بين إيران وسورياعلى كافة الأصعدة، مستشهدة بقول أحد المسؤولين الأمنيين السوريين البارزين، إنّ العلاقة بين البلدين كالتلاحم بين الجلدة واللحم، وإنّ كلّ من يتوهّم أنّ طهران غير راضية عن دور موسكو في سوريا على خطأ تام.
وأمّا في ما يتعلّق بالتنسيق الأمني، فروسيا تتشاور مع إيران وسوريا وتأخذ برأي "حزب الله" عبر سوريا، ولكن لا تنسيق مباشر مع الحزب، إذ أنّ موسكو متمسكة بمبدأ إبقاء التعامل الأمني المباشر بين الدول. والملفت أنّ مقاتلي "حزب الله" يشرفون حالياّ على تدريب بعض عناصر الحرس الثوري الإيراني للإنضمام إلى المعارك في سوريا، بعد أن كانوا لفترة طويلة هم الذين يتدربون على أيدي هذا الجهاز الأمني الإيراني، ما يشير إلى تطور ملحوظ لطاقة القتال لدى "حزب الله" عبر السنين الفائتة.
وكلّ هذه المعطيات، إن دلّت على شيء، فعلى شراسة الحرب في سوريا، وبالتالي على احتمال كبير أن تطول المعارك فيها. ومن يستمع إلى بعض تفاصيل الإستعدادات الأمنيّة في هذا السياق، يخرج بانطباع غير مريح بأنّ التعويل على اجتماعات دوليّة لإنهاء الأزمة السورية، كاجتماع فينا الذي حضره مؤخراً بعض دول المنطقة إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا، قد يكون إفراط بالتفاؤل، وأن لا اجتماع فينا، ولا اجتماعات لاحقة في سلطنة عمان أو موسكو أو جنيف أو أيّ دولة مشاركة، قد يضفي إلى حلّ عن قرب.