ما بين العام 1968 العام 2015، سبعة وأربعون عاماً، عرف لبنان الحديث خلالها الكثير من التطورات والمتغيرات، وغاب عن المشهد اللبناني كبار الشخصيات، الذين واكبوا مرحلة الاستقلال، أمثال الرئيسين كميل شمعون و فؤاد شهاب وبيار الجميل والعميد ريمون اده، والرئيسين صائب سلام ورشيد كرامي والرئيس صبري حمادي وكمال جنبلاط ، الذين لم تكن تجمع بينهم سياسة واحدة، وانما كانوا متفقين على أولويات السيادة الوطنية والتوازنات الميثاقية، التي قام عليها الاستقلال، وكان أكثر من شعار واحد يوحدّ ما بينهم: "لا لشرق ولا لغرب"، "لبنان لا يحّلق إلاّ بجناحيه المسلم والمسيحي"، "ولا غالب ولا مغلوب"، "ولبنان واحد لا لبنانان".
وبعيداً من الطائفية والمذهبية قام حلف ثلاثي جمع الرئيس شمعون وبيار الجميل وريمون اده في وجه الشهابية، وكان اكتساح لهذا الحلف في الانتخابات النيابية، ولم يكن الدافع يومها طائفياً بقدر ما كان اثبات لحقّ اكبر قوى مسيحية ورفضاً لمنطق الالغاء.
أما اليوم، فالأمور تبدو مغايرة بعد سلسلة من الأحداث التي طغت عليها الطائفية، وقد توافق كل من "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، ومعهما حزب "الكتائب"، وإن كانت لا تجمع بينهم سياسة واحدة، على رفض منطق تجاوز الاحزاب الأكثر تمثيلاً وحضوراً على الساحة المسيحية، من دون الأقلال من شأن المكونات المسيحية الأخرى كتيار "المرده" وحزب "الطاشناق" والمستقلين، وهم ينتمون في الأساس إلى 8 و14 آذار على السواء.
وقد أتى موقف البطريرك الماروني بالأمس ليشكّل غطاءً لهذا "الحلف الثلاثي" في رفض سياسة التهميش، مع ما تعنيه من تجاوز لميثاقية غير انتقائية، مما يؤشر إلى مرحلة شديدة الحساسية، إذا لم يتمّ إستيعاب مفاعيلها.
وعلى رغم التباعد بين "التيار" و"القوات" و"الكتائب" في الإستراتيجيات، وهم على طرفي نقيض، فإنهم يلتقون على هدف واحد وهو عدم القبول بالإخلال بالتوازنات القائمة، مع ما يستتبع ذلك من خطوات تصعيدية قد لا تكون في مصلحة المشروع الوطني الكبير، الذي لم يهتزّ يوماً، حتى في خضّم الحرب الأهلية.
إلاّ أن هذا التحالف الجديد القائم على رفض الأستئثار بالقرارات الوطنية كان حرّي به أن يقود إلى التفاهم على إسم رئيس للجمهورية بعيدأ عن المزايدات والمصالح الشخصية، وهو أهم عنوان للمرحلة الحالية، الذي تتفرع عنه العناوين الأخرى. فما دامت هذه القوى المسيحية التي تعتبر نفسها الأكثر تمثيلاً وحضوراً على الساحة المسيحية غير متوافقة على انقاذ الرئاسة من اسرها ومن عنكبوتية الصراع الإقليمي، فإن اي تحرك آخر، وإن كان في خلفياته محقّاً، يبقى من التفاصيل غير المجدية، على رغم أهمية رمزيته في التأسيس لمرحلة لا تكون فيها معادلة 8 و14 هي المسيّرة للحياة السياسية، وقد أظهرت التباينات داخل مكوناتها عقم هذه المعادلة.
وعلى رغم تمسّك الرئيس نبيه بري الشديد بعقد الجلسة التشريعية، لا تزال الساعات التي تفصل بين هذا التشدد واستحقاق المواعيد حافلة بالإتصالات لإيجاد مخرج ينقذ ماء وجه الجميع، وتكون معها الميثاقية مصانة ويكون "تشريع الضرورة" مؤّمناً، على طريقة "لايموت الذئب ولا يفنى الغنم"، على أن يبقى انتخاب رئيس للجمهورية، بعيداً من الاصطفافات الآذارية، هو المخرج الطبيعي لكل المشاكل الآنية، وإن كان المنطق السليم يميل إلى اعتبار أن مشاكل لبنان الكبيرة لا تُحلّ إلاً بتوافق لبناني – لبناني، في انتظار انقشاع الرؤية في أفق الأزمة السورية.