بعيداً عن المزايدات والتشنجات التي ضجّت بها الساحة الساسية في اليومين الماضيين، وبعيداً عن الخلفيات والمسببات التي أدّت إلى ما يشبه استنفاراً من قبل جميع الذين كانت لهم مساهمات معينة في ايصال البلاد إلى ما وصلت إليه، من تعطيل على مستوى المؤسسات، بدءاً من رأس الهرم وصولاً إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وبكثير من الواقعية والموضوعية نستعرض مسلسل الأحداث، منذ اللحظة الأولى لتشكيل حكومة" المصلحة الوطنية"، قبل الشغور في سدّة الرئاسة، وكيف تمتّ التسويات، التي لم تنتج سوى تعطيل على كل المستويات، والتي أدّت إلى تحلل مفاصل الدولة، التي لم تستطع كل أجهزتها وأحزابها أن تجد حلاًّ لمعضلة النفايات مثلاً، التي لا تزال جاثمة على صدور اللبنانيين بكل ما فيها من تهديد للبيئة وللصحة ولهيبة الدولة.
فإذا كانت الحاجة هي أمّ الاختراع، فإن ما ُسمي حلاًّ للأزمة التي كادت تصل إلى حدّ الإخلال بالتوزنات، لا يعدو كونه تسوية بالمفرق، لن ينتج سوى تأجيل للمشكلة الأكبر، التي باتت تدّق الأبواب وتهدّد بفرط عقد المؤسسات، في غياب مطلق للحلّ الشامل لأزمة الوطن، الذي يواجه أزمة بحجم النزوح السوري الكبير، وبحجم التهديدات الأرهابية التي يتصدّى لها الجيش اللبناني، على الحدود وفي الداخل.
ما حصل بالأمس ليس سوى حلقة في سلسلة تحلّل المؤسسات، وقد شارك فيها الجميع بمستويات مختلفة، ولكل منهم مسؤولية جماعية أو فردية، في ايصال البلد إلى حافة الهاوية. وقد كان لإعتراف الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بالأمس بهذه المسؤولية الجماعية والمشتركة وقع مدوٍ.
لم يكن قانون استعادة الجنسية، وهو حقّ لجميع مستحقيها ولا جدال في ذلك، يستأهل كل هذه الضجة، ولم يكن موضوعاً "يحرز" كل هذا المشكل، على حدّ ما قاله النائب سليمان فرنجيه.
أما قانون الانتخابات، الذي رُحل إلى المجهول وإلى مقبرة المشاريع، والذي اُعتبر انتصاراً، كان يستأهل أن تخاض من أجل إقراره المعارك السياسية غير الدنكوشوطية، من دون اللجوء إلى "الاسلحة الثقيلة"، التي كادت توصل البلاد إلى حافة أزمة وطنية، ليس الوقت وقتها ولا المكان.
في محصلة القول أن الوطن يعيش أزمة تحتاج إلى حلول جذرية وليست ترقيعية أو تسويات ظرفية لا تلبث أن تنتج سلسلة أزمات ومزيداً من التعطيل والشلل والتحلّل حتى التلاشي، على أيدي سلطة حاكمة امتهنت سياسة التعطيل.