في زمن المتفجرات المتفرّقة والإنتحاريين المتجولين في كافة أنحاء العالم، لا بدّ من التوقف عند العمل الدؤوب لمختلف الأجهزة الأمنية اللبنانية، التي نجحت إلى حدّ كبير في ضبط تداعيات المعارك الإقليمية وإدارة الحرب على الإرهاب بمنتهى الحرفية على الداخل اللبناني، وذلك من خلال جهود مستمرّة ومكثفة وبإمكانات محدودة، وسط جوّ سياسي مشحون ونزاعات أهل الحكم التي تكاد لا تنتهي.
ولأن أيّ مجهود مستمرّ لا بدّ من أن يتعرّض لنكسة ما، خصوصاً في موضوع الإرهاب، الذي فشلت أكبر عواصم العالم في رصده حيناً أو التنبؤ به احياناً، إذ أن الثغرات الأمنية حتمية، ومنها التي أدّت الى وقوع تفجيرات الضاحية مساء الخميس الفائت، والتي شكّلت "خرقاً كريهاً منتظراً "لوضع أمني مضبوط إجمالاً، على حدّ تعبير قائد الجيش العماد جان قهوجي.
ويقول قهوجي لـ"لبنان 24" إنّ الأمن بشكل عام تحت السيطرة في لبنان، والأجهزة مجتمعة "تعمل بصمت" على مدار الساعة، والمعلومات التي في حوزة الأجهزة الأمنية كثيرة، تماماً كما الخلايا المصنفة بالإرهابية على الأراضي اللبنانية كثيرة أيضاً، وهي بالمجمل خلايا صغيرة ومنتشرة في مواقع عديدة، يكثر فيها السوريون المتسللون إلى الأراضي اللبنانية بشكل غير شرعي، وغالباً ما تختار هذه الخلايا مناطق آمنة لتأسيس مركز اجتماعاتها والتحضير لعمليات التفجير. ومن هنا كان انتقاء شقة في الأشرفية لخلية عمليات برج البراجنة. وقد يكون خيارهم مناطق بعيدة عن المخاوف والشبهات الأمنية كجونيه مثلاً او عاليه، التي جرت فيها مداهمات لخلايا في إطار عملها كطرابلس مثلاً، من هنا فالمداهمات لا تتوقف على طول لبنان وعرضه.
وقد تكون الحاجات المالية والميدانية للأجهزة الأمنية في ظروف دقيقة كما هي عليه اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً في ما يختصّ بالمؤسسة العسكرية المتعددة المهام والمسؤوليات. وفي هذا الأطار، يبدو أن مبلغ الـ1360 مليار، الذي أقرّ في الجلسة التشريعية الأسبوع الماضي لتجهيز الجيش، والذي كان مضاعفاً في صيغة المشروع الأساسية قبل أن يعمد النواب إلى تقليصه تفادياً لتكاليف مرهقة للخزينة، قد لا يكفي في هذه الظروف، إذ، وعلى رغم امتنانه لجهود السياسيين في إقراره، يشير قائد الجيش إلى أن حاجات المؤسسة العسكرية تفوق هذه التقديمات المالية، خصوصاً أنّه سوف يتمّ تسديدها على سنوات خمس. وما يجعل الواقع المالي اكثر تعقيداً هو عدم توافر مساعدات خارجية تساهم في تلبية حاجات الجيش، إذ أن تفعيل هبة المليارات الثلاثة التي أقرتها المملكة العربية السعودية لتجهيز الجيش اللبناني لا يزال ينتظر حتى الساعة، باستثناء ما يقارب الأربعين صاروخا التي حصل عليها الجيش في إطار هذه المساعدة. ولولا المساعدات والمعدات الغربية وعلى رأسها الأميركية، لكان الجيش اليوم في حالة لا يُحسد عليها. وبناء على هذه المعطيات لن يكون مستغرباً أن يسعى قائد الجيش إلى متابعة موضوع الهبة السعودية على أعلى المستويات، إنطلاقاً من حرصه على المؤسسة العسكرية واستكمالاً لمهمته الشاقة والموفقة في ضبط الأمن في البلاد من جهة، وتأمين الإستقرار في أنجح مؤسسات الدولة من جهة أخرى.