تهدأ "همروجة الحرب" بين رافعي العلم اللبناني ومبرزي العلم الفرنسي على الـ"فيسبوك". جراح "البرجين" ما زالت تحرق بلاد الأرز ومدينة العطر والرومنسية. لكنّ تطابق الالم والارهاب، يقابله اختلاف في طريقة تعاطي البعض مع المأساة وهول الصدمة وما بعدها. والبعض هذا هو إعلام، وافراد، وصفحات "فايسبوكية"..
حين انقسم اللبنانيون على مواقع التواصل الاجتماعي بين متضامن مع باريس ومتضامن مع بيروت عقب العمليات الارهابية، تفهمّنا دوافع كل من "الفريقين" وابتعدنا عن إدانة أي منهما. أصلاً، للفرد حرية التعبير والمعتقد. كثيرون يؤمنون بأن المواطنة الحقيقية تعني الانسانية العابرة للحدود، أي التضامن مع أي انسان مجروح. كما أن آخرين عبرّوا عن استيائهم من الهرولة نحو "الغرباء" للتعاطف معهم في حين لا يهزهم ما حدث ويحدث يومياً على أرض الوطن.
هذا الاختلاف في التعبير والموقف ظلّ "مهذباً" وراقياً، لكن ما راحت تتناقله بعض الصفحات على الـ "فيسبوك"، والتي تتلطى خلف عنوان "التجليط" والكوميديا، اضافة الى مستخدمين كثر من لبنان، لم يعد مزحة، ولو سمجة! إذ أعيد نشر مقطع فيديو يُظهر مجموعة من الفرنسيين يضيئون الشموع في مكان "المجزرة"، ولدى سماعهم أصوات شبيهة بإطلاق النار، دبّ الرعب في نفوسهم ولاذوا بالفرار وهم يصرخون، مع تعليق ساخر يستجدي الضحك و"الهبل" (على سبيل المثال لا الحصر: كاتبين على الشموع "لن نخاف منكم".. ومن أول فرقيعة هربوا).
هكذا إذاً، أرادت "طيور الفينيق" أن "تلتفّ" على المأساة! ففي بلاد "الموسيو هولاند" لا أبطال ولا قلوب من حجر. كان على هذا الشعب، بصرف النظر عن سياسة حكوماته، أن يحافظ على رباطة جأشه بعد ارهاب مجنون حصد أكثر من 400 بين قتيل وجريح في مساء واحد! كان عليه أن يفكرّ مرتين قبل الـ "بانيك": لعلّ الصوت ناجم عن قارورة غاز انفجرت على "البالكون"، أو ربما مرّ معاليه أو سعادته للتوّ من هنا، وطبعاً لا بدّ من طلقة رصاص "عالماشي" لاخلاء الطريق! وقد يكون رصاص ابتهاج في زفاف أو خلال مأتم، أو إشكال مسلّحّ على خلفية أفضلية المرور، ولعلّ إطار إحدى الشاحنات "بجّ"...وقد يكون تفجير ثان، فلنقف ونتحضرّ لـ"selfies" والرقص وراء المذيع.. وربما للمساعدة!
ولكن يبدو أنه في بلاد "الكرواسان"، شعب "ضعيف" القلب، وإعلام كذلك. لا مكان في "الكادر" لجثث وأشلاء. ولا شهادات من الشهداء والاحياء. ولا استغلال للاطفال والامهات والآباء. قد تفي "دردشة" صغيرة بين المراسل وطفل فرنسي من اصول آسيوية، تنتهي بحوار بينه وبين والده: "Ils sont très, très, très méchants. Les méchants, c'est pas très gentil". يبحث الطفل عن "وطن" آخر. يخبره والده بأن "فرنسا" هي المنزل والوطن، وأن "ثمة أوغاداً في كل العالم". يقتنع الولد ويبتسم. سوف يقاوم بالورد والشموع..
ملاحظة: هذا النص ّموّجه حصراً لـ"Méchants" في لبنان!
(خاص "
لبنان24")