منذ أن قررّت الهجرة، قررّت أنّ اخبئ الوطن في حقيبة. أخرجه للشمس وانفض عنه الغبار من وقت لآخر حين تقتضي الحاجة اليه. أنظر اليه بشيء من التقدير والاحترام كما انظر لأفلام الأبيض والأسود.
نحن أبناء الشرق عاطفيّون. كل حدث أو ذكرى متى أحيلا إلى التقاعد نضفي عليهما لا شعورياً مسحة من القدسية والحنين، وأنا قررّت منذ زمن أن أحيل الوطن إلى التقاعد.
يأتيني خبر تفجير برج البراجنة. أحاول أن أحزن فلا ستطيع،
أحاول أن أغضب فلا أستطيع.
تسري في نفسي قشعريرة، ترعبني فكرة انّ الموت.. لكن الفواجع دجنتّني حتّى فقدت قدرتي على الحزن والغضب.
انصرف لشؤون الحياة اليومية. الأخبار الآتية من خلف البحار لم تعد تهزّني كما السابق. أصبحت في حياتي كفواصل الاعلانات السمجة التي تمرّ مرور الكرام في البرامج.
أقّل من 48 ساعة. تأتي الضربة الثانية. من الداخل هذه المرّة. انتحاريّو باريس والجوار.
ينتابني خوف رهيب. أشعر بتنميل في يدّي وأنا أقلّب بين محطات الأخبار. يتزايد عدد القتلى وتزداد نقمتي على الشرق الذي هجرته وعلى الغرب الذي يريد ان يهجرني الآن.
افكّر في الاولاد. سيكبرون قبل أوانهم. سينضجون "صناعياً" كما تخمّر قرون الموز في المخامر والمعامل.
أفكّر في نظرات الكراهية، في الأحكام المسبقة، في الحقد، في العنصرية، في كمّية الأفكار المغلوطة المعلبّة الجاهزة للاستهلاك التي عليهم ان يواجهوها غداً.
أنام وأنا على يقين اننّا دخلنا رغماً عنّا حلبة الرقص مع الشيطان.
أشرح لاولادي ماذا يجري. اتحضّر واحضرّهم للمواجهة ولجولة جديدة من الاستجوابات وفحوص في منسوب الوطنية.
اطلب اليهم بحزم ان يتحاشوا النقاشات وكل ما يصّب في الدين والعقيدة والانتماء القومي.
اطلب منهم ان يخبئوا الله في داخلهم جّيداً، وان يحرصوا على اأاّ يظهر منه شيء الى العلن.
اضبط نفسي وانا اتكلم العربية في طريقنا الى المدرسة. اتدارك الموقف بسرعة. أعود للفرنسية ارفع نبرة صوتي واشدّد على لكنتي الباريسية التي اتقنتها بفعل الزمن والممارسة.
اتذّكر قولاً لالياس خوري في احدى روايته. يقول إن "الانسان ابن اللغة التي يتكلمها من هنا كان اسمها اللغة الامّ."
حسناّ، تبّاً لها في هذا اللحظة العصيبة. هي ليست امّي من الآن فصاعداً وحتماً لا اريدها امّاً لاولادي اليوم. سأنكرها كما ينكر ابن عاّق والديه.
اشعر انّي اشنع من يهوذا الاسخريوطي. اخفف من حدّة الالم على نفسي. اقول بالنهاية انّها أم والامّ تنسى وتصفح.
تخبرني المديرة انّهم سيحدثوّن الاولاد اليوم بما جرى. أرى الأسوأ قادم على عجل.
انتظر نهاية اليوم الدراسي. نصل الى البيت وابدأ استجواباً بدا انّه سيطول.
يقول احد التوائم منتشياً قال لنا الاستاذ ان علينا الاّ نخاف لان دولتنا قويّة وهي سترّد بطائراتها الحربية وتقصف معاقل الارهابيين "هناك". نحن بلد قوّي قام بثورة عظيمة تعرفين ماما الثورة الفرنسية التي دخلت التاريخ؟ علينا ان نشعر بأمان لان جيش"نا" قوي وهو قادر انّ يرّد على المخرّبين.
ثم يدخل في موجة هذيان طفولّي عن؛
قوّة دولت"ه" و عظمة جيش"ه" و عنف قنابل"ه".
اتركه في فقاعة اوهامه الجميلة....الليلة سينام بأمان اقول.
تحضرني صورة حيدر الذي فقد ابويه في تفجير برج البراجنة. اسأل نفسي من سيخبره -كذباً-عن قوّة الدولة التي ستحميه والتي سترّد عنه اذى المخربيّن؟ هل سيصدّق الكذبة كما صدّقها اولادي؟ هل سينام حينها بأمان كما سينام اولادي الليلة؟
يأخذني ابني البكر على جنب. انا اعرفه حين يحزن. تحمّر ارنبة انفه و يلمع العسل في عينيه اللوزيتين. افهم من دون ان يتكلّم.
لقد وقع الفاس في الراس اقول.
يسألني بصوت خفيض وبدون مواربة:
هل صحيح انهّم عرب؟
اسأله: انت عربي ام فرنسي؟
يجيبني بتحدٍّ: je suis français à part entière يصمت برهة ثم يضيف بصدق ولكّن قلبي عربي.
تمتلئ عيناي بالدموع.
اجيبه: اذن هم ايضاً فرنسيون.
وقلوبهم؟ يسأل. ارفع نظري صوبه اتمتم: هؤلاء بشر لا قلوب لهم.
انهي المحادثة دون الدخول في تفاصيل الانتماء الديني. لا اجوبة شافية لدّي الآن.
سوريالية الجيل الاول من المهاجرين. لا هو اجنبي بحت ولا هو عربّي قّح. كائن هجين.
نحن عرب متعصبّون بين الاجانب، وأجانبٌ عبيدُ الرجل الأبيض والباسبور الاجنبي بين العرب.
افتح الفايسبوك لاروّح عن نفسي. اصاب بالغثيان. يفاجئني عدد الاصدقاء اللبنانيين الذي رفعوا العلم الفرنسي تضامناً.. بعضهم اعرفهم جيدّاً واعرف ان معلوماتهم عن فرنسا و"باريز" لا تتعدّى جبنة البيكون.
اتابع بشغف الردود و الردود المضادّة.
اتابع الاخلاقيّين والانساوييّن الذي يريدون ان يحتلّوا العالم بالورود والشموع، وجماعة ال "ان جي اوز" الذين يشترطون على من يريد ان ينضوي تحت لوائهم ثلاث شهادات جامعة ولغتين اجنبيتين على الاقّل، وجماعة الشماتة و"هذه بضاعتكم ردّت اليكم" وجماعة المستشعرين والعشاّق والمكتئبين والمنظرّين والليبراليين، جماعة "النيفو ريش" -nouveaux riches- التي ترفع علماً فرنسياً لتتضامن مع لويس ڤيتون وكريستيان ديور وهيرميس وغيرلان.
اتسلّى بقراءة الردود والردود المضادة واتساءل كيف يمكن لشعب فذّ كهذا الّا يدخل في علم النفس كحالة يجب ان تدرّس في المعاهد والجامعات؟
تشتعل حملات التضامن هنا وهناك وتزداد وحدتي.
افكرّ ان لا وحدة يشعر بها الانسان اقسى من وحدته في اشدّ لحظات التضامن والتلاحم.
مساءً تضاء الشموع على حافات النوافذ و الشرفات. اترّدد في اضاءة الشموع بدوري.
لم احبّ يوماً طقوس الحزن الجماعي، لا يشفي غليلي. احّب ان اختلي بحزني بصمت.
ينهرني زوجي ويقول لي انّه سيضيء الشموع حالاً. يشرح لي برفق انّ الاقليّة لا تملك رفاهية الاختلاف وان عليها كي تعيش ان تمحو ملامحها وتروّض روحها حتّى تضيع في المجموعة.
اقف على شرفتي ارى السنة اللهب تتراقص. اقرّر ان اضيء شمعة.
هذه شمعة كّل الارواح المروّضة التي تشبهني.
ارفع صوت الموسيقى في اذني اسمع صوت فيروز يصدح:
وحدن بيبقو متل زهر البيلسان
وحدهن بيقطفو وراق الزمان
يا زمان
يا عشب داشر فوق هالحيطان
ضويت ورد الليل عكتابي
برج الحمام مسور وعالي
هج الحمام وبقيت لحالي....لحالي
(رولا هزيمة – باريس)