بعد أن تنعّم لبنان لعقود طويلة بصفة "سويسرا الشرق" بات من الأصح أن نطلق على عاصمته تسمية "نابولي الشرق" بعد تفاقم أزمة النفايات المستمرة فصولاً منذ 17 تموز الفائت، والتي أدّت إلى تراكم النفايات في الشوارع، مما دفع بالبعض إلى حرق أكوام منها تماماً كما يحصل في مثلث الموت في جنوب إيطاليا بين نابولي واقليم كاستيرا، حيث تتخلص المافيا بشكل غير قانوني من النفايات السامة وتحرقها منذ عشرات السنين في عملية أدّت الى تلوث الأراضي الزراعية.
في جمهورية العجز بامتياز أمام أكوام النفايات التي تحتاج شوارع العاصمة، تحوّلت منطقة الكرنتينا الى ملاذ لنفايات بيروت الإدارية، بحيث ارتفع جبل من النفايات على مقربة من المدخل الرئيسي لسوق السمك المركزي، وعلى بعد أمتار قليلة من مطاحن "بقاليان" التي تنتج نحو أربعين في المئة من حاجة لبنان الى الطحين المستعمل في صناعة الخبز العربي.
محافظ بيروت القاضي زياد شبيب كان قد أشار في وقت سابق الى أن الكرنتينا ليست المكان الوحيد الذي تم تكديس النفايات فيه، بل هناك خمسة الى ستة أمكنة في بيروت سيتم توزيع النفايات عليها، مضيفاً بلهجة "أن لا حول له ولا قوة"، أن الوضع سيزداد سوءاً إن لم يجر تجاوز العوائق السياسية. المكان الذي وقع الاختيار عليه كان مكبّاً عشوائياً ثم تحوّل الى موقف للشاحنات العمومية في مرفأ بيروت تبلغ مساحته نحو عشرين ألف متر، وقد لجأ أصحاب الشاحنات الى تنظيفه واعتماده كموقف لهم.
هذه المنطقة الموبوءة أصلاً لم يكن ينقصها سوى أكوام النفايات المكدسة والقليل من الأمطار لتتضاعف الروائح السامة المنبعثة منها. ومع تخمر أطنان الأكياس بعد " الشتوة الأولى"، ظهرت أزمة جديدة في المنطقة وضواحيها وصولاً الى الأشرفية، وهي أسراب هائلة من الذباب الأزرق، الذي هو ذباب سام جداً يتغذى على اللحوم والجثث والمواد المتعفنة. أما اللافت في هذا الأمر المستجد فهو رد بلدية بيروت على شكاوى المواطنين إذ بررت موجة الذباب بتراكم النفايات والجرذان الميتة.
شركة "سوكلين" كان لها أيضاً ردّ على الشكاوى الواردة من المواطنين في ما يتعلق بالروائح الكريهة المنبعثة في المنطقة وجوارها فاعتبرت "أن شركة "سوكومي" اتخذت مجموعة من التدابير الهادفة الى الحد من انتشار الروائح التي قد يتسبب بها الازدياد الملحوظ لكمية النفايات الواردة الى معمل الكرنيتينا مؤخراً والتي جعلتنا، بحسب بيان "سوكلين"، نستخدم أرضاً في منطقة الكرنتينا نضع فيها النفايات موقتاً وذلك بناء على تعليمات السلطة المحلية"، مشيرة الى أن "عملياتنا تجري حالياً وفقاً لظروف القوة القاهرة التي نواجهها وذلك بسبب التحديات التي تترتب عن الامكانات المتوافرة للتعامل مع النقل بالآت النفايات".
يبقى أن نذكر أو أن نتذكر أن أزمة النفايات المستشرية ليست الأولى من نوعها في لبنان. فالطاقم الحاكم أوقع اللبنانيين في المأزق نفسه في العام 1997 حين أقفل مكب برج حمود من دون ايجاد حل مناسب لجمع النفايات، ويومها طافت شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت وساحل المتن الجنوبي بالنفايات في ظل تخبط الحكومة وعجزها عن تقديم أي طرح عملي ينهي الأزمة ليصار لاحقاً الى استحداث مطمر الناعمة الذي تحول بدوره الى بداية للأزمة الثانية.
(خاص "
لبنان24")