لا يساوي التباهي الذي يظهره القادة الأمنيون في لبنان جراء كشف الشبكة التي تورطت في التخطيط والتنفيذ في جريمة برج البراجنة الإنتحارية المزدوجة حجم القلق من اكتشاف حجم ومدى تورط العسكريين من قوى الأمن الداخلي فيها. وهو ما يفسر الشعور المزدوج بالإنتصار والتقصير معاً.
على هذه الخلفيات، لا يتبرأ القادة الأمنيون من حجم المفاجأة التي شكّلها اكتشاف حجم المتورطين العسكريين من دون الدخول في أي تفاصيل إضافية حول أسماء أعضاء الشبكة المنتشرين في مختلف مناطق الشمال وبيروت، خصوصاً عندما تبين التحقيقات الجارية الدور الذي لعبوه بلباسهم غير المدني، الأمر الذي سهّل، على ما يبدو، تنفيذ الخطط التي وضعت توصلاً الى المناطق الحساسة التي تم تحديدها عن سابق تصور وتصميم لتوجيه الرسائل المزعجة والخطيرة في إتجاهين سياسي وامني.
في الإتجاه السياسي أبلغ قادة الشبكات الجديدة المتورطة في عمليات التفجير الجانب السياسي اللبناني أنه ليس امامهم الكثير من الحواجز والعوائق لتغيير المسارات السياسية في لبنان وضرب فئة من اللبنانيين دون غيرها بتهمة التورط بعيداً في الأزمة السورية، وهي التي جندّت الآلاف من مقاتليها على مساحة الأراضي السورية حيث تنتشر مئات الجبهات القتالية بين الجيش السوري النظامي وحلفائه اللبنانيين والعراقيين العاملين تحت مظلة القيادة الإيرانية من جهة، والمجموعات المسلحة المختلفة المعارضة من جهة أخرى.
وفي الجانب الأمني وجه المخططون رسالة بالغة الأهمية والدقة الى قادة الأجهزة الأمنية من خلال قدرتهم على تجنيد الأمنيين في مثل هذه العمليات، وهو ما يدعوهم الى التقليل من غلوهم في الإدعاء بالإنتصارات، التي يقومون بها طالما أنهم مخروقون الى هذه الدرجة من خلال عسكرييهم الذي يأتمرون بهم من دون نقاش أو جدل في تطبيق الأوامر التي يمكن أن توجه اليهم.
وفي كل الحالات تحرص القيادات الأمنية على عدم التوسع في بث المعلومات عن حجم العسكريين المتورطين في العمليات الأخيرة في انتظار التحقيقات الداخلية الجارية، وإن إقتضى الأمر لن تبقى النتائج المترتبة عليها سريّة. فمجرد الكشف عن تورط عسكري واحد لا بد من تبرير ذلك. وهو أمر لا يمكن إخفاؤه. فليس في لبنان ما يمكن أن يبقى سرّاً. وقد فتحت كل مطامر الأسرار امام اللبنانيين، فالأولى بالقادة الأمنيين الحديث عن انفسهم وأجهزتم وفق المنطق الذي يقول: "تحدث عن نفسك كما تريد لئلا يوجد من يتحدث عنك مستغلاً صمتك لتحوير الحقائق".
ولذلك تكشف المصادر الأمنية انه لن يكون هناك سر في الكشف عن النتائج متى تمّ التوصل اليها والأدوار التي قام بها عسكريون في العمليات الأخيرة. فالشفافية مطلوبة اليوم قبل أي يوم آخر. فالتجارب السابقة تؤكد ذلك والدليل انه وقبل أيام قليلة على انتشار فيلم مصور على المواقع الإجتماعية عن رجل قيل أنه غير "مؤهل عقليا" استغل فجوات أمنية في الضاحية الجنوبية من بيروت ونزل إلى جانب العسكريين على أحد حواجزهم يدير حركة السير بلباس عسكري وبرتبة ضابط ليوجهها ويبدل ثيابه في محل تجاري في المنطقة فتكشفت الحقائق في ساعات قليلة، ووضعت الأمور في نصابها لئلا يبقى هناك شك في إداء هذه القوى الأمنية وقدرتها على توفير أمنها العسكري الداخلي قبل أمن المواطنين. وهو ما يبرر عدم السكوت عن تورط العسكريين في شبكات إرهابية طالت من ارواح المواطنين الأبرياء في برج البراجنة وكانت تعد العدة لعمليات مماثلة في أكثر من منطقة في لبنان.
وأمام هذه الوقائع تترقب الأوساط الأمنية والسايسية ما ستؤدي اليه التحقيقات مع العسكريين الذين شملتهم التوقيفات الأخيرة، ولا سيما في الساعات الماضية لتوضيح الكثير من المخاوف العالقة في أذهان الناس والقادة العسكريين في آن. اما الجانب السياسي من العملية فله مكان وأوان آخر. فمن دون أي شك ستلعب السياسة دورها على خلفية التحريض الذي اتقنه البعض في فترة من الفترات، وقد آن أوان الكشف عنها فلننتظر؟!