عشية الاستقلال، بلبلة يعيشها لبنان الرسمي والشعبي منذ لحظة الاعلان عن طلب روسيا تعليق رحلات الطيران المدني في مطار بيروت بسبب مناورات بحرية ستقوم بها لمدة ثلاثة أيام (في 21 و22 و23 من الشهر الحالي).
في المعلومات المتداولة ان البحرية الروسية أبرقت الى السلطات المعنية في مطار بيروت طلبها عدم استخدام المجال الجوي المقابل للأراضي اللبنانية ضمن مساحة وارتفاع محددين. على الفور، باشرت السلطات اللبنانية اتصالاتها مع الجانب القبرصي بحثاً عن خطوط بديلة، فتقرر تسيير الرحلات في مسار جديد فوق صيدا والصرفند. وعلى رغم تطمينات وزير الاشغال العامة والنقل غازي زعيتر أن "لا حظر جوياً، ولا داعي للهلع"، فان هذا الموضوع خلق حالاً من الارباك، لا سيّما وان بعض الرحلات قد تستغرق وقتاً أطول، بسبب تعديل المسار الذي تسلكه عادة.
الطلب الروسي لم "يشوّش" على حركة الملاحة اللبنانية وحسب، بل أثار غضب كثيرين ممن رأوا فيه خرقاً للسيادة اللبنانية واستباحة لها. اول المنتقدين كان النائب وليد جنبلاط الذي سارع الى السؤال مغرداً:" وفق آخر أخبار الطيران المدني اللبناني، فإن الروس أبلغونا إقفال أجوائنا لثلاثة أيام لا أكثر ولا أقل، وهذا أتى بمثابة أمر، فهل الوزير باسيل على علم بهذا الأمر أم لا؟".
فماذا يقول القانون الدولي في هذا الاطار؟
يشرح الأستاذ في القانون الدولي المحامي الدكتور أنطوان صفير في حديث لـ "لبنان24" ان "القانون الدولي يحدد مسار التعاون بين الدول في شتى المواضيع، والذي يتمّ أما عبر القنوات الدبلوماسية العادية أو عبر ما تحدده الاتفاقات الثنائية بين السلطات صاحبة الصلاحية".
وإذ يشير الى أن "لا اتفاقات بين الجانبين الروسي واللبناني في موضوع الملاحة بالتحديد"، يعتبر ان الطلب في مثل هذه الحال، يجب ان يتمّ عبر القنوات الدبلوماسية أي وزارة الخارجية.
يأبى صفير الاستعجال في "اصدار الحكم" من الناحية القانونية: هل خُرقت سيادة لبنان ام لا؟، فبرأيه، المعلومات المتداولة عن كيفية تلقي لبنان هذا الطلب، لا تزال ضبابية وغير مؤكدة. الا انه يشددّ على أن "هذا الموضوع ذو طابع سياسي وأمني وعسكري ذلك ان الملاحة المدنية تتعلق أيضاً بالامن القوميّ، وبالتالي السلطات العسكرية والأمنية يجب ان تكون على علم به والتواصل مع السلطات الروسية في هذا الصدد".
ويرى صفير ان مثل هذا الطلب، في حال عبر القنوات الديبلوماسية وراعى اصول القانون الدولي الذي ينصّ على ان السيادة تمارسها الدولة اللبنانية بحراً وبراً وجواً، يمكن أن يُدرس من قبل الجانبين الروسي واللبناني، وتالياً تحديد أو تحييد مسارات اخرى للطيران المدني وفق جدول معيّن يضعه الطرفان.
أما في حال سُجل خرق للسيادة اللبنانية او لقواعد الملاحة، فبامكان لبنان توجيه "اللوم" الى الحكومة الروسية، او تقديم شكوى امام الامم المتحدة.
هذا في القانون. لكن أي كلمة للسياسة في هذا الاطار؟
برأي صفير، فان هذه المناورات ليست عن عبث:"ان تقوم روسيا بهذه المناورات، في هذا التوقيت بالذات، في البحر المتوسط وامام الشواطىء اللبنانية والسورية، وان تطلب وقف او تغيير مسارات الطيران...فهذا لا يعني سوى انها تريد ايصال رسالة موجهة الى كل اللاعبين في المنطقة، ومفادها ان روسيا الموجودة اصلاً في قواعد عسكرية في الساحل السوري، وجوّا عبر غاراتها، تؤكد على دورها ومصالحها في المياه الدافئة في البحر المتوسط".
هذه المناورات التي تعدّ الاولى من نوعها من حيث الحجم، تريد روسيا، الدولة العظمى، ان تصل اصواتها الى كل من يعنيه الامر في منطقة الشرق الاوسط: الى اميركا، اوروبا، دول الخليج، تركيا وايران واسرائيل! وكأنها تقول، بحسب د. صفير، "نحن هنا، ولنا حقوق، وعلى الآخرين الاعتراف بهذه الحقوق والمصالح".
مناورات ضخمة، لن تغيّر عملياً في ميدان الحرب من الناحية العسكرية. يشرح صفير:" يمكن روسيا ان تحسم نهائيا في بعض المناطق السورية، لكنها لا تفعل ذلك، بل انها تفضلّ فيينا"!
وهناك في النمسا، ثمة خرائط وتسويات وجداول ترسم وتوضع وتصاغ تحت الطاولة وفوقها، وعليه فان روسيا تفرض قواعد جديدة وتقول ان موضوع البحر المتوسط هو موضوع استراتيجي يتعلق بالامن القومي الروسي، وبالتالي لا يمكن التوصل الى اي اتفاقات او تسويات من دون ان تكون هي شريكا اساسيا وفاعلا ومقررا، يقول صفير.
تعليقاً على هذا المناورات التي تدور في عرض البحر على مرأى من سوريا ولبنان وكل الدول المحيطة، ثمة من قال اننا على مرمى حجر من حرب عالمية ثالثة.
فهل من ردّ مضاد لهذه المناورات؟ يرى صفير ان "اوروبا منهمكة بمواجة الارهاب، في حين ان حدود "التعاون" بين الولايات المتحدة وروسيا لا تزال "مرسومة"، لكن هذا لا يعني عدم لجوء اميركا، في لحظة ما، الى اتخاذ اجراءات معينة لاعادة التوازن، انما مع الحفاظ على شراكة De facto" بينهما.