نقطة تحّول في المشهد السوري بدأت منذ لحظة إسقاط سلاح الجو التركي طائرة "سوخوي 24". فما بعد إسقاط الطائرة الروسية لن يكون كما قبلها. وفيما تسود لغة المصالح الدولية المتنازعة على أرض سوريا وفي جوّها، يمضي كلّ فريق بتحصين دوره ومصالحه وحضوره في هذه البقعة الجغرافية من المتوسط ، بالحديد والنار. فموسكو الغاضبة تعزز وجودها العسكري في سوريا أكثر فأكثر، وأنقرة العضو في حلف "الناتو" لن تقف موقف المتفرج حيال انتهاك مصالحها. تداعياتٌ ستطال كلّ الدول المؤثرة والمتأثرة في الحرب السورية. وما مسارعة المسؤولين الأتراك للمطالبة بعقد إجتماع لحلف شمال الأطلسي وتلبية الطلب التركي سوى دليل على حجم وأبعاد الحادثة.
المواجهة بين "القيصر" و"السلطان" قد تتخذ أشكالاً متعددة، إذا ما قررت روسيا ترجمة تصعيدها الكلامي الذي استمر منذ إسقاط طائرتها، والذي وصل إلى حدّ وصفها تركيا بشريكة الإرهابيين، عندما اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العملية "بطعنة في الظهر، وجّهها أعوان الإرهابيين"، مستغرباً توجه أنقرة إلى حلف الناتو، "فهل هم يريدون تسخير الناتو لخدمة داعش؟" عواقب الحادث ليست محصورة بالرد العسكري، خصوصاً أنّ لدى تركيا هواجس ونقاط ضعف في تلك المنطقة الحدودية، وتحريك ورقة الأكراد، هي إحدى الخيارات المتاحة، ولا سيما بعد الواقع الميداني في تل أبيض واعلانها منطقة إدارة ذاتية من قبل حزب الإتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا .
تركيز روسيا على إظهار أنقرة أمام الرأي العام بموقع المدافع عن التنظيم الذي وصل إرهابه إلى فرنسا، يأتي أيضا في سياق المواجهة، وهو ما اعتمدته موسكو فعلاً منذ إسقاط مقاتلتها، بقول رئيس وزرائها دميتري مدفيدف: " ما بدأته أنقرة من حماية لـ"داعش" أمر غير مثير للإستغراب، نظراً إلى مصالح مالية مباشرة لبعض المسؤولين الأتراك ترتبط بتوريدات المشتقات النفطية المنتجة في الورش الخاضعة لسيطرة التنظيم ".
هذه التطورات لا شك ستكون لها انعكاسات على مسار الحل السياسي في سوريا، برأي الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد الياس حنا، وفي حديث لـ "لبنان 24" أشار إلى مزيد من التعقيدات في سوريا على خلفية حادثة إسقاط الطائرة قائلاً: "التوتر بين روسيا وتركيا سيؤخّر الحل وينعكس سلباً على محادثات فيينا، فروسيا تقوم بضرب المعارضة التي تريدها الولايات المتحدة وتلك التي تريدها تركيا، والرئيسان الفرنسي والأميركي تحدثا عن ضرب الروس للمعارضة المعتدلة، فكيف يجلسون على طاولة المفاوضات؟" وأضاف حنا: "تركيا وضعت قواعد اشتباك جديدة لا يمكن تجاهلها بعد اليوم، وكأنها ترسم قواعد الإشتباك الجديدة بالنار".
منذ بدء التدخل الروسي تضاعفت الحوادث الحدودية بين انقرة وموسكو، ومطلع تشرين الاول دعا حلف شمال الاطلسي روسيا الى الاحترام التام للمجال الجوي للحلف وتفادي تصعيد التوتر مع الحلف الاطلسي. وبرأي حنّا "أن إقدام تركيا على إسقاط الطائرة الحربية يعني أنها وصلت إلى مرحلة شعرت من خلالها أن الأمور بدأت تتخطى مصالح الأمن القومي التركي، إن كان في البحر الأسود في شبه جزيرة القرم والصراع بينهما على السيادة الإقليمية، أو في سوريا حيث الحدود المشتركة تقارب الـ 800 كلم، فضلاً عن أن الروس يضربون جبل التركمان ويعارضون رغبة تركيا في إقامة منطقة عازلة ".
وفي سياق تداعيات الحادثة أيضاً يرى الخبير الإستراتيجي أن " تشكيل تحالف ضد تنظيم "داعش" أصبح أكثر تعقيداً، كما أنه أصبح هناك فرز ومفهوم نهائي وواضح للقوى والتحالفات، وتركيا أخذت موقفاً صريحاً من روسيا، لم يعد بإمكانها التراجع عنه".
على أي حال لا يمكن التنبؤ برد فعل بوتين الذي يمضي بعرض قواه العسكرية، وإن كان الخيار الديبلوماسي بين البلدين أمراً مستبعداً حالياً.