دخل سليمان فرنجية سوق البورصة السياسية، لترتفع أسهمه تارة وتنخفض طوراً، تاركة المراهنين على وصوله الى سدّة الرئاسة، كالمعوّلين على "حرقه" رئاسياً، في حالة تشنّج وترقب، قد "تُحرق" أعصابهم قبل أن يتُمّ البتّ نهائياً بموضوع ترشيحه.
وفي الأيام المنصرمة، تراجعت نسبياً التأكيدات بأن أبواب بعبدا على وشك أن تُفتح أمام فرنجية، على خلفية تأخّر كلّ من الحريري وجنبلاط عن الإعلان رسمياً عن ترشيحهما لهذا الأخير، ووسط كلام عن تسرّع الحريري في إبرام اتفاق من هذا القبيل مع رئيس تيار "المردة" قبل الحصول على موافقة محتّمة من قبل المملكة العربية السعودية في هذا الإتجاه.
وبالإضافة إلى ذلك، يبدو أنّ محادثات فريق فرنجية مع الجهات المسيحية البارزة لم تُسجّل أي تقدّم حتى الساعة، لا بل أنّ بعض الأجواء التي تسرّبت عن اجتماع الأمس بين فرنجية ورئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل تشير إلى أنّ نتائج الاجتماع كانت "سيئة جدّاً". وكذلك، فإن الأمور ما زالت عالقة مع رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع. ويشاع أن قاطن معراب مستاء من كونه لم يتلقّ إشارة مباشرة من الطرف السعودي حول ترشيح فرنجية، نظراً إلى التقارب الحاصل بينه وبين المملكة العربية السعودية في الآونة الاخيرة، وأنّه كان يطمح إلى أن يكون له الدور الجامع في موضوع الرئاسة، فيقوم هو بمهمة التوفيق بين الجهات المسيحية على هذا الموضوع من جهة، وبين شتى أفرقاء "14 آذار" المعارضين لترشيح فرنجية من جهة أخرى.
ولكن، وفي المقابل، تؤكد بعض المصادر المقرّبة من رجل الأعمال جيلبير شاغوري، الذي كان جمع الحريري وفرنجية في منزله في باريس، أنّ "الإتفاق على فرنجية ساري المفعول، وأن انتخابه رئيساً قد يكون وشيكاً جدّاً". وترافق هذه الأجواء تعليقات حول الموقف السعودي من مسألة فرنجية، مفادها أنه لا يمكن أن يكون الحريري تصرّف على هواه في موضوع بهذه الدقّة، أي من دون مراجعة الطرف السعودي والحصول على موافقته المسبقة.
وفي هذه الأثناء، يجول القائم بالأعمال الأميركي في لبنان ريتشارد جونز على كافة الزعماء اللبنانيين لاستمزاج آرائهم حول شتّى المواضيع الداخلية، وعلى رأسها موضوع رئاسة الجمهورية، استكمالاً لما يُشاع عن مبادرة لترويج فكرة ترشيح فرنجية كان قد أطلقها سفير الولايات المتحدة السابق دافيد هيل، أو أقلّه، كان هيل أحد أبرز مناصريها.
وجاءت زيارة جونز لبنشعي منذ بضعة أيام في هذا الإطار، ليخرج منه المسؤول الأميركي بانطباع لا بأس به حول إمكانية الوصول الى حلّ ما في موضوع الرئاسة، تكون حظوظ فرنجية منه وفيرة. ومن المتوقع أن يزور جونز بعض الشخصيات السياسية المتحفظة على وصول فرنجية الى سدّة الرئاسة في الأيام المقبلة، ومنها جعجع، للاستماع الى تعليقاته في هذا الموضوع. وكان جونز قد زار عون منذ فترة، الذي بدا له غير مقتنع عندها بجدية طرح فرنجية للرئاسة، وهو التقى أيضاً رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل.
ويبدو أن الأميركيين مصرون على عدم التدخل مباشرة في موضوع الرئاسة، مفضلين الإستماع حتى الساعة الى السلبيات والإيجابيات المطروحة من كافة الأفرقاء الداخليين حيال ترشيح فرنجية، والى الطروحات والأسماء الاخرى التي قد تتقدّم بها هذه الأطراف. وما يهمّ واشنطن، بداية ونهاية، أن يستعيد لبنان حيويته السياسية عبر تفعيل المؤسسات وملء الشغور حيثما وجد، ومن هذا المنطلق فإن أي مرشّح تتفق عليه معظم الجهات السياسية مرحّب به ويجب التعويل عليه.
ولكن ينقل بعض زوار السفارة في عوكر مناخ ارتياح نسبياً لفكرة فرنجية رئيساً، على أساس أن المخاوف السائدة لدى بعض الجهات حيال توجهاته الإقليمية يمكن تجاوزها. ويحاول فرنجية إزالة هذه الهواجس لدى لقاءاته ببعض المرجعيات، مشدّداً على نقطتين أساسيتين يمكن البناء عليهما في مقاربة ترشيحه للرئاسة: مصداقيته من جهة، اذ يشير إلى أن التزامه بصداقته ببشار الأسد على رغم الصعوبات التي واجهها هذا الأخير، ان دلّت على شيء فعلى وفائه في السياسة وقدرته على التزام أي وعد يقطعه على الخصم والحليف على حدٍّ سواء.
ومن جهة أخرى، يردّد فرنجية أن لا تأثير لصداقته بالأسد على مجرى الأمور لا في سوريا ولا في لبنان في حال انتخب هو رئيساً للبنان، خصوصاً انه ولو بقي الأسد في سدّة الرئاسة السورية، فمن المستبعد أن يحافظ على صلاحياته كاملة في بلاده، وبالتالي لن يكون له أي دور أو تأثير على مجرى الأمور في لبنان، كما أن ليس بمقدور أي رئيس لبناني، لا هو ولا غيره، البتّ بأمور مصيرية كسلاح "حزب الله" أو موضوع قتاله في سوريا. وفي النهاية، ومهما كانت قناعاته الإقليمية، فهي"لن تقدّم ولن تؤخر" على تطورات المنطقة والعناوين الكبيرة فيها، وهو أبلغ من يعنيهم الأمر أن "الرئيس الأسد صديقي، ولبنان وطني أولاً وأخيراً"، ولفت إلى أنه، في حال وصوله إلى الرئاسة الأولى، سيولي الشأن الإقتصادي الأولوية القصوى.
ومن الملفت أن بعض الأوساط الديبلوماسية ترى أن فرنجية قد يكون على حق في نظرته إلى الواقع الإقليمي، من موضوع الأسد الى مسألة سلاح "حزب الله". وتتساءل هذه الأوساط عما إذا كان التعامل مع موضوع سلاح الحزب اليوم لا يتطلّب مقاربة جديدة، خاصة ان "حزب الله" قد "لبنَن" بعض توجهاته في السنوات الأخيرة ويبدي ليونة وتفهّما لحيثيات الوضع اللبناني الداخلي أكثر من السابق.
وتشير الأوساط في هذا الإطار إلى أنه من الممكن أن تكون إحدى الوسائل الحالية لتخفيف وطأة سلاح "حزب الله" على الداخل اللبناني، ريثما يتمّ التوصل الى حلّ إقليمي واسع في هذا الإطار، عبر مساعدة ودعم المؤسسات العسكرية والأمنية في البلاد، وعلى رأسها الجيش وقوى الأمن الداخلي، فيطمئنّ اللبنانيون الى وضع هذه المؤسسات وإمكانياتها بدلا من التركيز فقط على سلاح "حزب الله" والتخوف منه.