استأنفت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان جلساتها بالاستماع الى شهادة رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط، الذي قدّم لمحة عن حياته السياسية التي ابتدأت بعد مقتل والده كمال جنبلاط عام 1977 وانتخابه بعد 6 أسابيع رئيسا للحزب الإشتراكي.
وأوضح جنبلاط في شهادته أنه عندما أسس والده الحزب عام 1949، "كان يطمح لأن يغير النظام السياسي الطائفي اللبناني لكن ظروف الطائفية في لبنان كانت أقوى"، وقال: "لم أستطع تحقيق حلم كمال جنبلاط، فحزبنا تقلص إلى مساحة ضيقة، درزية في معظمها مع بعض التنوع بسبب الظروف، لكن وبكل تواضع أمثل قسما مقبولا من الطائفة الدرزية"، ولفت إلى أنه "بعد مقتل الرئيس رفيق الحريري توسعت الشريحة الشعبية التي تؤيد مواقفي"، مشيراً إلى أن "الطائفة الدرزية تمثل بحسب الإحصاء الرسمي 6% من السكان، لكن لدينا امتدادات في الخارج".
وقال جنبلاط: "علاقتي مع النظام السوري بدأت عام 1977 بعد الأربعين من اغتيال كمال جنبلاط على يد النظام السوري وأمام الخطر المحدق بلبنان والذي كان يتعرض إلى مؤامرة كان لا بد لي أن أوقع اتفاقاً سياسياً مع من اغتالوا والدي"، مشيرا الى ان "كمال جنبلاط اعترض على دخول النظام السوري إلى لبنان، وكان يعلم أنه سيقتل وهو تلقى معلومات في هذا الإطار"، لافتا الى انه "قبل إتفاق الطائف كنت في الصف السياسي الواحد مع النظام السوري لتجنيب لبنان الخطر الإسرائيلي".
أضاف: "المرحوم القاضي حسن قواس قام بالتحقيق بمقتل كمال جنبلاط، وتفاصيل السيارة التي لحقت به وكيف قتلوه على مشارف قرية بعقلين، وكيف ذهبت تلك السيارة إلى مركز للمخابرات السورية في سن الفيل، ولكن القضية حولت كسائر الجرائم السياسة الكبرى إلى المجلس العدلي الذي لا يستطيع أن يبت خلال بدء وصاية سورية على لبنان، إذ كان هناك خوف منها".
واعتبر جنبلاط ان "رفيق الحريري، وهو رئيس وزراء لبنان، وإلياس الهراوي وهو كان رئيساً للجمهورية لم يكن لهما، حتى بصفتهما الرسمية، أي تأثير على الجيش اللبناني الذي كان بقيادة اميل لحود الذي كان بدوره بإمرة سورية مباشرة"، وقال: "كنا نحاول مع الهراوي والحريري إيجاد فرصة لبنانية للحكم ولكن جهاز المخابرات المشترك اللبناني - السوري لم يسمح بذلك"، موضحا ان الجيش اللبناني يعمل بإمرة سورية بإشراف لحود طبعا"، وأضاف: "أخرنا مجيء إميل لحود لرئاسة الجمهورية لسبب بسيط هو أننا لم نكن نريد أن يأتي شخص ولاؤه مطلق للنظام السوري".
ورأى جنبلاط ان كلمة "الوصاية السورية، مصطلح مغلوطة لأنها في تلك الفترة تسمى بالإحتلال السوري"، ولفت الى ان "لحود كان يأتمر بالنظام السوري وكان يأمر الأجهزة الأمنية وفق ما تمليه عليه الأجهزة السورية، وكان حافظ الأسد ولاحقا بشار أصدقاءه وكثر من اللبنانيين شعروا أن القبضة الأمنية للنظام السوري كانت تزداد على البلاد"، موضحا انه "عند انتخاب لحود رئيسا عام 1998 وقفنا في المجلس النيابي وكنا 6 نواب واعترضنا على انتخابه فيما صوت باقي النواب له"، وقال: "لدي موقف خاص تجاه العسكر اللبناني والعربي، لانه لا يتمتع بأي حيثية ديمقراطية ولا يحترم الإنسان وقلائل من العسكر الذين حكموا قاموا بإصلاحات، ومنهم الرئيس فؤاد الشهاب وكان شخصية استثنائية".
وقال" نجحنا انا والحريري والهراوي بتأخير مجيء لحود 3 سنوات، كما ان نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام ورئيس أركان الجيش السوري السابق العماد حكمت شهابي كانا متواطئان معنا"، مشيرا الى انه "لا بد من علاقات سياسية مع سوريا ولكن لم نكن نرغب أن نكون ملحقين بسوريا، وبالنسبة إلى حزب البعث وعقيدته فنحن نسمى "قطر" أي ليس لنا وجود بالمعنى السياسي" لذا واجهنا عقيدة سياسية متينة لا تعترف بالغير"، معتبرا انه "عندما يقرر رئيس النظام السوري بأمر عمليات معين فالموضوع ليس للنقاش بل هكذا يريد الرئيس"، وقال: "كان أحد شعارات حافظ الأسد "ما من رئيس يموت".
وأشار الى انه في "العام 98 كانت البداية البطيئة للتحول ضد النظام السوري لاننا كنا نريد بلدا مستقلا ومؤسسات مستقلة وكان الهدف المركزي تحرير الجنوب". واضاف: "كانت هناك أقنية مختلفة تصب عند لحود غير القنوات السورية لذلك بعد مقتل باسل الأسد بدأ صعود نجم بشار وكان لديه طرقا خاصة في التعاطي مع لحود"، معتبرا ان "تلاقي المصالح بين بشار الأسد واميل لحود أدت إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري".
وتابع: "في لقائي الأول مع بشار الأسد قال لي غازي كنعان أريدك أن تعلم من هم بيت الأسد لم أعلق أهمية على هذه الكلمة وتذكرت هذه الكلمة أواخر 2005 عندما أجبر غازي كنعان على الإنتحار"، لافتا الى انه في "المرة الثانية ذهبت وغازي العريضي، واستقبلنا بشار في جبل قاصيون ولم يكن اللقاء مريحا بل طرحت اسئلة محكمة حول الحريري وكان يتبين من اسئلته انذاك العداء مع الحريري".
وأعلن انه في "العام 2000 كانت الخطوة الثانية للتصعيد ضد النظام السوري".
الاسد للحريري: أنا من يحكم ويأمر
وبعد استراحة قصيرة، تطرق جنبلاط الى تغير علاقة الحريري بالقيادة السورية بعد رحيل حافظ الاسد، فاشار الى ان "هذه العلاقة كانت وطيدة جدا لكنها تغيرت جذريا بعد وصول بشار الأسد. وان بداية توتر العلاقة بين الرئيس الحريري والنظام السوري كانت مع تعيين اميل لحود رئيسا للجمهورية الذي كان يعلم جيدا أنه مدعوم من سوريا ليقوم بما يريد كما حصل في وزارة المالية مع الرئيس فؤاد السنيورة، حيث عمد لحود على ارسال دورية لتهين السنيورة في وزارة المالية بغطاء من سوريا بسبب تعديل رواتب العسكريين".
وتابع جنبلاط: "الحريري كان يُعتبر وزير خارجية سوريا في عهد حافظ بسبب علاقاته الخارجية وهذه العلاقة تغيرت بعد وصول بشار الى الحكم"، واضاف: "الحريري كان يظن انه يمكن ان يأخذ نفس الدور بعد رحيل حافظ وثبت لاحقا انه اخطأ، ولا ننسى انه استدعي الى دمشق في 2003 وقال له الاسد "أنا من يحكم ويأمر وليس غيري" كما طلب منه بيع اسهمه في "النهار".
تصفية كل من شارك في إغتيال الحريري
ورداً على سؤال عن اعتقاده وجود ربط بين اغتيال الحريري ومقتل غازي كنعان وجامع جامع ورستم غزالي وغيرهم، رأى جنبلاط أن "كل الذين عملوا وشاركوا في عملية اغتيال الحريري يتم تصفيتهم لقطع السلسلة بين الآمر والمنفذ"، وتابع: "لجنة التحقيق حققت مع كنعان وغزالي لذلك تم تصفيتهم ولو استدعي الاخير الى لاهاي قبل وفاته لكان قدم معلومات مهمة عن اغتيال الحريري".
كما تطرق جنبلاط الى علاقته وصداقته مع رئيس هيئة الأركان في الجيش السوري خلال حكم حافظ الاسد، العماد حكمت الشهابي، مشيراً الى أن الاخير ردد على مسمعه اكثر من مرة انه هو الممسك بالملف المخابراتي المتعلق بتحركاته وسياسته.
ولفت جنبلاط الى أن تحركه ضد الوجود السوري في لبنان بدأ عام 2000 بعد اجتماع مع الرئيس امين الجميل في المختارة، موضحاً ان الشرخ بينه وبين بشار الاسد اصبح واضحاً بعد لقاء جمعهم بعد احداث 11 ايلول 2001. كاشفا ان "النواب الذين يؤيدون سوريا نعتوني في العام 2000 بالعميل الاسرائيلي".
وقال جنبلاط "بالرغم من أن الشهابي وخدام كانا يعتبران الحريري شخصية عربية بارزة ولكن شخصية سنية مثله اخافت النظام السوري"، اضاف: "لم يكن لي علاقات شخصية بحاكم سوريا اليوم، موضحا ان حكمت الشهابي رفض طلب حافظ الاسد بتمديد ولايته لانه لم يشأ العمل تحت امرة بشار الاسد".