ترجح أوساط مطلعة أن يخرج رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع عن صمته ويعلن موقفاً واضحاً من موضوع رئاسة الجمهورية قبل 7 كانون الثاني، وهو الموعد المقرّر للجلسة الرابعة والثلاثين. وتكثر التساؤلات حول ما قد يقوله جعجع في هذا السياق بعدما وضعه حليفه في 14 آذار رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري أمام موقف صعب بفرض تسوية لا تلائم مصالحه السياسية من جهة، ولا تتلاءم مع خطه السياسي وخياراته الإقليمية من جهة أخرى.
وقد نجح "الحكيم" في الاستفادة من الغموض الذي ساد حول موقفه من التسوية حتى الساعة، ولو أن استياءه الضمني منها بات معروفاً، الا أن التكتّم التام عن أي موقف علني ورسمي في هذا الإطار صوّب العيون على معراب ونجح في إضفاء انطباع، ولو مبالغ به على حدّ قول البعض، بأن دور جعجع أساسي في تبلور أي قرار نهائي حول ترشيح فرنجية.
ويجد قاطن معراب نفسه أمام خيار من اثنين: إما أن يرفض التسوية من دون الالتزام بمرشح بديل عن رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية، ويكون بذلك داعماً ولو عن غير قصد للفراغ الحاصل، والذي قد يستمرّ الى أن تأتي لحظة تطبيق التسوية، سواء عبر حادث أمني أو تطور إقليمي أو حدث ما يحتّم انتخاب الرئيس العتيد، ويرجّح أن يكون فرنجية في هذه اللحظة الحرجة هو الخيار الأوحد المتاح على خلفية التسوية المعلّقة، فتفرضه عندها الظروف على الساحة السياسية؛ أو أن يعلن جعجع منذ الآن تأييده الصريح لمرشّح رئاسي ويحسم أمره ما بين الجنرال ميشال عون وفرنجية، علماً أن إمكانية تسمية أي مرشح ثالث مستبعدة. فالكلام عن خيار آخر في الوقت الحاضر، من خارج تسوية باريس أو معادلة بديلة لها، و بعيداً عن المرشح المسيحي الاول، اي الجنرال عون، قد يبدو خارج الموضوع وغير واقعي، وبالتالي سوف يترك انطباعاً غير مستحبّ بأن جعجع يتعاطى بالشأن الرئاسي بخفة أو أنه يلجأ الى مناورة سياسية ليست بالمجدية ولا بالمقنعة في هذا الظرف الدقيق.
وفي خيار جعجع لعون كما لفرنجية ربح وخسارة لا بدّ لـ"الحكيم" التوقف عندهما قبل أن يحسم أمره، ولو أن انتخاب عون يبدو أخفّ ثقلاً على رئيس "القوات" من فرنجية في السياسة الداخلية، اذ أنّ وصول زعيم زغرتا الشاب الى سدّة الرئاسة وتعزيز هذه الزعامة من بعبدا قد تكون باهظة الكلفة على جعجع مستقبلاً، خصوصاً أنهما، أي جعجع وفرنجية، مرجعيتان مسيحيتان من المنطقة نفسها، والانتماء الشمالي لا بدّ من أن يزيد من حدّة المنافسة بينهما. ومن شأن هذه الحسابات المستقبلية أن تؤثر على أي قرار يتخذه جعجع اليوم.
ولكن، وفي المقابل، فإنّ لاختيار عون عوائق عديدة، من ضمنها التردّي المحتّم للعلاقات مع الحليف الأساسي في 14 آذار، تيار "المستقبل"، على خلفية رفض مبادرة رئيس هذا التيار وتبني المسلك السياسي المناقض لها. ولكن العلاقة بين "القوات" و"المستقبل" متأزّمة أساساً على حدّ قول متتبّعيها، وأسباب هذا التردي متشعبة ومتراكمة، من التجاذب على الموقع القيادي في فريق14 آذار، الى المنافسة على التقارب مع السعودية، وصولاً الى استياء جعجع من طريقة طرح الحريري لمبادرته الباريسية، وما بين هذه المسائل من عناوين تجاذب أخرى أدّت الى فتور في العلاقات بين الجهتين على رغم تأكيدهما على عكس ذلك، وإن حاول جعجع الإيحاء بالامس بمشاركته الشخصية في احتفال الذكرى الثانية لاغتيال الوزير السابق محمد شطح عكس ذلك.
وقد يستطيع جعجع من هذا المنطلق تجاوز الاعتبارات المتعلقة بـ"التيار الأزرق" على أساس أنّ الخلاف، أو أقلّه التباين السياسي، قائم أصلاً بين الجهتين، إلا أن خيار عون يحمل في طياته مشكلة أدقّ وأوسع النطاق، فهو يشكّل تحدّياً فاضحٍاً للإرادة السعودية، وبالتالي خسارة لجعجع في علاقته المميزة مع المملكة السعودية العربية، وهو تدهور قد يكون من الصعب لرئيس "القوات" تحمّل كلفته ووطأته عليه وعلى موقع حزبه المتقدّم في فريق 14 آذار. وقد نجح جعجع حتى الساعة بتفادي أي موقف رسمي يسيء الى ارتباطه بالخط الإقليمي السعودي، إلا أن تبنّيه لعون اذا حصل لا بدّ من أن يأخذه في هذا الاتجاه الحرج. وكان السفير السعودي قد زار جعجع الأسبوع الفائت وأصرّ على ضرورة المضي قدماً بالتسوية المطروحة مقابل حصول جعجع على تطمينات ومطالب معينة، خصوصا في ما يختصّ بتشكيل الحكومة المقبلة، إلا أن جعجع لم يبدِ تجاوبا في هذا الموضوع، على أساس أنه لا يمكن تجاوز المسيحيين في مسألة الرئاسة من جهة، ولأنّ طرح فرنجية يتناقض من جهة أخرى مع الخيارات السياسية الواسعة لـ"القوات". فهو بمثابة تعزيز لخط الرئيس السوري بشار الأسد، وبالتالي لا يمكن للقاعدة القواتية تقبّله.
ولو أنّ المنطق نفسه ينطبق أيضاً على عون، الا أن المخرج لتبنّي "الجنرال" على رغم التناقضات الإقليمية الذي يحمله قرار من هذا القبيل قد يكون أسهل على جعجع وأقلّ تأثيراً على مصداقيته. فبين "القوات" و"العونيين" ورقة اعلان نوايا يمكن البناء عليها لتفسير خيار عون اذا أراده جعجع، وتقاربٌ عمره أكثر من سنة، وتنسيق يراد من خلاله تحسين وضع المسيحيين السياسي من خلال تضافر الجهود بين الفئتين المسيحيتين الأساسيتين لإنجاز بعض الامور المهمّة للطائفة، يمكن لترشيح عون أن يترجم على أنه جزء منها. فيكون جعجع قد سجّل بدعمه لعون تقدماً ملحوظاً على الصعيد المسيحي وكسب عطف القاعدة العونية التي قد تردّ له الجميل مستقبلاً، ولم يخزل شباب "القوات" خصوصًا أن البعض منهم ومن الذين كانوا منذ حين يبدون امتعاضهم من "اعلان النوايا" والتقارب العوني- القواتي بعد سنين طويلة من الخلافات الدامية بين الطرفين، هم أنفسهم يدعون "القوات" حاليًا لترشيح عون عبر مواقع التواصل الاجتماعية، اقتناعاً منهم بأن الطائفة المسيحية أفضل حالا اليوم بفضل هذا التقارب، وخوفاً مما قد يحمله المستقبل من مفاجآت غير سارة اذا اتخذت "القوات" مسلكاً مغايراً. وفي النهاية، يبقى القرار في يد جعجع، فما عساها تكون وصفة "الحكيم"؟