وإنتهى الحِراك...
إنتهى منذ اللحظة التي قرر فيها الإشتباك مع الناس، وإنتقادهم وتسخيفهم، وشتم قياداتهم بدل إستقطابها.
إنتهى منذ اللحظة التي قرر فيها الإنفصال عن خزّانه الشعبي المشاغب في الخندق الغميق والطريق الجديدة ووصف شبابها بالمندسين.
منذ ذلك الوقت شعر المراقبون بأن الحراك إنتهى، على رغم كل الزخم الذي حافظ عليه لفترة طويلة. لعل، عبارة "مستمرون"، التي يستعملها قادة الحراك لا تعدو كونها مسكّناً تخفي عنهم الحقيقة المرّة.
لكن لماذا فشل الحراك؟ لعل الجواب الشافي لا يملكه قادته العلنيون، بل عند المشاركين في الحراك البعيدين عن مراكز القرار فيه، الذين رأى بعضهم أن الحراك لم ينتهِ ولن ينتهي.
يرى الكاتب والصحافي ومؤلف كتاب "وما أدراك ما الحراك" حسان الزين أن الحراك مستمرّ، ولم يسقط، "ويجب التفريق بينه والمجموعات المنظمة له، فالحراك هو فعل إعتراضي وتراكم ومسار".
ويشير الزين إلى أن "الحراك الذي بدأ مع "طلعت ريحتكم" له طابع وطني شامل، على رغم أنه راكم تراثاً منذ فترة طويلة، أي منذ إنطلقت تظاهرات إسقاط النظام الطائفي وهيئة التنسيق، وغيرها والتي كانت تحركات مطلبية لها طابع فئوي".
ويؤكد الزين أن المشكلة الأساسية التي عانى منها الحراك "هي عدم قدرته على تلقّف الإنتصار الذي حققه في موضوع النفايات بعد تشكيل لجنة الوزير أكرم شهيّب، منذ ذلك الوقت بدأ زخم الحراك يتراجع".
ويضيف الزين: "سلوك القوى السياسية المعادية للحراك أصلاً، والتي سعت عبر الضغط الإعلامي إلى تشويه صورته وإعتباره أداة إيرانية يوماً، وأميركية يوماً آخر، إضافة إلى الضغط الأمني الذي أنهكه من خلال كمية الإعتقالات".
ويعتبر الزين أن شعار "كلن يعني كلّن" على رغم أنه صحيح ومنطقي، غير أنه ليس شعاراً سياسياً، بل على العكس ساهم في إستعداء معظم الأشخاص المسيّسين بدل إستيعابهم وإستقطابهم.
ويرى الزين أن الحراك أمام إمتحان للإستمرار، "لان الناس إعترضوا ورفعوا صوتهم، لكن اليوم المطلوب خطة للمواجهة، والمطلوب من المجموعات وضع أهداف هذه المواجهة وأساليبها أمام الناس لكي يقرروا ما إذا كانوا يريدون النزول إلى الشارع أم لا".
تلج... وتغيير الأسلوب
أما الناشطة رولا تلج فلديها مقاربة مختلفة إلى حدّ ما عن غيرها من النشطاء الفاعلين في الحراك، إذ تعتبر أن "تعاطي الحراك بسلبية مع كل القضايا أدى إلى إضعافه، وتخفيف حماس الناس له".
وأضافت: "يجب تظهير إنتصار الحراك، فنحن إستطعنا تحقيق إنجاز عبر إفشال مشروع المطامر في عكار وغير عكّار، بل وأكثر. لقد إستطاع الحراك فرض ترحيل النفايات ومنع المحاصصة السياسية بالموضوع".
وأشارت إلى أنه كان يجب على الحراك أن يدعو إلى تظاهرة إحتفاءً بالإنجاز والإحتفال به، الأمر الذي يجعل الناس يتجاوبون مع أي دعوة أخرى للتظاهر والإعتراض.
وإعتبرت تلج ان "المجتمع اللبناني يحب الزعامات، لذا كان على الحراك ان ينتج زعيماً كارزمياً يستطيع إستقطاب الناس والتأثير عليهم، إلا أن هذا لم يحصل".
ولكي يستطيع إستعادة زخمه، تجيب: "على منظمي الحراك ان يقيّموا ويغيّروا أسلوب عملهم".
يقول الناشط في المجتمع المدني أيمن دندش، والذي شارك في الحراك في بدايته أن فشله يعود أساساً إلى استهدافه جمهوراً في مناطق معينة، من دون لمّ جمهور الاحياء و الشوارع الفقيرة التي انتجتها السلطة.
ويضيف: "مطالبنا كانت واسعة جدا، إضافة إلى التعميم الذي أدى إلى جعل كل مؤيّد او منتسب لأي حزب سياسي ضمن السلطة ضد الحراك بشكل تلقائي".
الحراك لم يفشل
بدورها تتحدث الناشطة في الحراك نضال المقداد، نافية أن يكون الحراك انتهى، "لا أستطيع القول ان الحراك فشل. فالتحركات الشعبية تمر عادة بفترات يكون السقف فيها مرتفعاً، ويكون الناس في حاجة الى التغيير، وفي أوقات اخرى تخف الحاجة او الرغبة، لكن هذا لا ينهي الحراك".
تتقاطع زينة ناصر مع المقداد، بعدم إعتبار الحراك قد فشل، "إذ ان الحراك لم يبدأ هذه السنة، برأي أنه بدأ قبل سنوات طويلة، أي منذ كان يتظاهر عدد قليل جداً من الأشخاص من أجل المطالب المعيشية، لكن الحراك هو عملية تراكمية".
وتشير ناصر إلى أنه "كان في الإمكان معالجة القضايا من منظار مختلف عن منظار حملات عدة ومن دون التركيز على من قام بالعمل وعلى المنافسة، بقدر التركيز على العمل بعينه".
أما الناشطة غادة حداد، فتعتبر ان "تعاطى الحراك بشكل فوقي مع الناس، وقد مَنّن قادة "الثورة" كل المشاركين في التحركات ان بفضلهم (القادة) حصل الحراك، وإنهم قبل سنوات كان عددهم لا يتجاوز العشرة أشخاص وكانوا يعتصمون وحدهم في الساحات".
مما لا شكّ فيه أن الحراك ترك أثراً لن يمحى بسهولة وأي تحرك قادم للمجتمع المدني سينطلق من حيث إنتهى هذا الحراك، ما قد يؤسس لحالة سياسية مختلفة عن كل الحالات التقليدية السائدة في لبنان.