رحل المسرحي الكبير بيرج فازليان عن عمر يناهز التسعين عاماً وهو من مؤسسي الحداثة المسرحية في لبنان والعالم العربي.
كان أكثر من مسرحي، صديق الكل، صديق فيروز وصديق الأخوين رحباني والذي أخرج لهما غالبية أعمالهم المسرحية وصديق الفنانين الكبار في الفضاء المديني بفصوله الإبداعية.
كان فناناً قديراً، استثنائياً في لغته وكسوره اللغوية الجميلة وهوامشه التعددية الآتية إلى لبنان، ومن اسطنبول ومن جذوره الأرمنية، وبهواجسه الإبداعية واجتراحاته الحيوية والدينامية إلى جانب أسماء تلك المرحلة الجميلة من منير أبو دبس وريمون جباره وجلال خوري وروجيه عساف وآخرين. إلا أنه كان علامة فارقة في لهجته وخصوصيته ومساحة تحرره الأوسع من القيود المذهبية والطائفية والإثنية والحزبية.
فنان طيب جداً، أكثر من شفاف وكاتم أسرار بامتياز وخلف الاسم حيناً ومن خارج المنصة أحياناً مع أنه "برج" قائم في الإخراج والمسرح وتقنياته ومناخاته وأصواته ومنصاته. كان وجه القمر المخفي في النجومية.
ولد بيرج فازليان في اسطنبول في العام 1926. في العام 1945، أخرج مسرحيته الأولى "Les Caprices de Marianne" لألفرد دو موسيه. وأسس في العام 1946 فرقة مسرحية وفي العام 1952 فرقة "مسرح الخشبة الجديدة"، وأخرج في هذا الإطار مسرحية "البخيل" لموليير ومسرحية "فولبوني" لبن جونسون التي قدمها في ما بعد على "مسرح بيروت" وعلى مسرح مهرجانات بعلبك الدولية.
أسس فرقة "فاهرام بابازيان" التي اضطلعت بدور مسرحي مهم من أعماله المسرحية الإخراجية "آلهة قديمة" تأليف ليفون شانت و"حكاية فاسو" لجورج شحادة.
أخرج كوميديا "الأغلاط" لشكسبير في العام 1963، ترجمة أنسي الحاج، وأخرج "الزنزلخت" لعصام محفوظ العام 1969 و"اللعب على الحبلين" اقتباس ريمون جبارة وبطولة شوشو.
تعاون مع الرحابنة في إخراج العديد من مسرحياتهم: "بياع الخواتم" (1964)، "هالة والملك" (1967)، "الشخص" (1968)، "يعيش يعيش"، "لولو" (1974)، و"ميس الريم (1975)".
كما أخرج مسرحية "جبران خليل جبران" (1996) عن نص لغبريال بستاني و"حبل المشنوق" (1999) للكاتب روبير غوريك.
في العام 2012، أدى دوراً في مسرحية "أوبرا الضيعة" لفرقة كركلا، واستمر تواصله بإيقاع بنّاء مع عبدالحليم كركلا.
قدم بيرج فازليان أكثر من 100 مسرحية باللغات العربية والفرنسية والأرمنية، من مسرحية "الأغلاط" 1964 إلى "لعبة الاختيار"، إلى عمله مع الرحابنة. كما أخرج للمطربة صباح مسرحية "الفنون جنون".
من أعماله السينمائية كممثل: "بياع الخواتم" و"سفر برلك" و"بنت الحارس". كما أخرج 35 حلقة للتلفزيون اللبناني باللغة الأرمنية، ولكنه لم يمثل تلفزيونياً. أدى دوراً في "فيلم الشيطان" مع فريد شوقي (ماركو) في عام 1969.
فنان كبير، مرجعي، بيرج ذاكرة الزمن الجميل، وترك وراءه مسيرة حافلة بالأعمال المضيئة وأخرى لا تنسى من مثل مسرحية "أبو علي السمراني" التي تسببت بتشطيبه من شباب أرمن(...) إلى دوره الذي لا ينسى في "بياع الخواتم" وما يشبه شاويش تلك المرحلة، إلى عمله المرجعي "الزنزلخت". والأهم من كل ذلك صداقته العميقة للأخوين رحباني، وهو من المترددين القلائل باستمرار واسبوعياً الى منزل السيدة فيروز، الى تعاونه مع كبار الفنانين اللبنانيين صباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين وشوشو، وفيليب عقيقي، وانطوان كرباج ونضال الاشقر وانطوان ملتقى وروجيه عساف ومادونا غازي ونبيه ابو الحسن وايلي صنيفر وآخرين.
نجح في المسرح الاستعراضي على نحو استثنائي بابداعية كبيرة في ادارة كبرى لأعمال الرحباني، الاستعراضية ومنها الرائعة "ايام فخر الدين".
رحل بيرج فازليان، فنان الحياة والنص والفكاهة والظرف والخبرة والاستماع والتجريب كجزء من تحولات البلد السياسية والاجتماعية والثقافية.
لم يقارب الحرب ولا جنونها ولا عبثيتها ولا محاورها ولا خلفياتها، لم ينتج أعمالاً مسرحية محسوبة لهذه الفئة أو تلك. فضّل ان يهاجر البلاد مع اندلاع الحرب الاهلية ويتوقف عن العمل وأن لا يخطئ حيث اخطأ عديدون بجرّ الفن الجميل الى قاطرة الطوائف أو الأحزاب او الميليشيات والأمراض المذهبية والعوارض الايديولوجية المغلقة. بقي على مسافة مستقلة من الجميع لا لهذه المنطقة أو تلك... وحين انتهت الحرب عاد الى بيروت يردف بحياة جديدة. وبتوقيعات مختلفة صديقا للجميع، وانسانا لطيفا ودوداً، آت من كل فصول البلد الجميلة، وذاكرة خصبة احاطت بكل ما حولها بنبل واخلاقية ويضيف اليها ابتسامة ممتعة وسخرية حداثية عميقة كانت جزءاً من كل ما قدمه في مشواره الطويل. مشوار الصداقة والمتعة والإيقاع المديني البناء والثقافة المرهفة.
هذه مواسم هجرة الكبار والفصول التي تنفست فنونا وحريات وحيوات وجماليات وتفاصيل لا تحصى.
رحل بيرج فازليان وترك خلفه صورة الفنان الحساس، الرهيف، النبيل، التجريبي، صاحب الهندسة السينوغرافية الحركية بالصوت والموسيقى والشعر، وأمام "البرج الكبير" فازليان وخلفه وعلى يمينه وشماله عائلة ذات ثقافة موسيقية عالية، كل التعازي لنجله الموسيقي الرائع هاروت فازليان ولزوجة الراحل الفنانة التشكيلية ولعائلتهم اللبنانية، وهو بنى بيتاً من بيوت متوسطية، مزيجاً من الفرح والجمال وقيم لبنان وعناصرها المتألقة والعابرة لكل التخوم الضيقة.
(يقظان التقي – المستقبل)