لم يصدر، أمس، التعميم المنتظر من مصرف لبنان، الذي ينظّم عمل كونتوارات التسليف. هذا التعميم عالق منذ مدّة لاسباب غير معلنة، الا انه عاد الى الواجهة بعد ازدياد الشكاوى على هذه الشركات وآخرها "الشركة اللبنانية العربية للتسليف". يقول نائب حاكم مصرف لبنان محمد بعاصيري ان التعميم الذي يقبع بأدراج المصرف منذ زمن لم يصدر بعد "لأسباب بيروقراطية"، بانتظار أن يصدر الإثنين المقبل كحد أقصى. مخالفات عدّة ارتكبتها الكونتوارات، وروايات كثيرة رواها الضحايا الذين خسروا ممتلكاتهم بسبب ضائقة مالية شديدة دفعت بهم إلى الإستدانة منها، ولكن بعيداً عن الحالات الفردية سجّلت الشركة مخالفات اساسية بدأت بغش في الإعلان وصولاً إلى استغلال الزبائن والإستيلاء على ممتلكاتهم.
كسائر كونتوارات التسليف غير الخاضعة لرقابة جدّية، لم تكن "الشركة اللبنانية العربية للتسليف" واضحة وشفافة منذ تأسيسها. دارت الشبهات حولها منذ عام 2006 عندما تقدّم أحد المواطنين بإخبار لجانب النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان ضد الشركة، التي كانت تعلن آنذاك أنها تعطي قروضا سكنية بفائدة 6% على مدى 30 سنة.
يقول الإخبار إن الشركة "تستحصل من الزبون على تفويض بإجراء كشف على العقار المعني مقابل 400 دولار مع توقيع تعهد بعدم استرجاع أتعاب الخبير". أمّنت هذه اللعبة "مدخولاً باهظاً للشركة دون أي التزام مقابل (أي دون إعطاء أي قرض) وقد بلغ هذا المدخول 15 الف دولار في أقل من أسبوعين". بعد ذلك إنتقلت الشركة إلى لعبة أخرى: إعطاء قرض مقابل عقد رهن ليتبيّن أنها تعطي قروضا مقابل عقود بيع او وكالات غير قابلة للعزل. العام الماضي إنتشرت فجأة إعلانات هذه الشركة على صفحات الجرائد وفي التلفزيونات ولوحات الطرق، "قرض بـ 5 دقائق مقابل رهن". فتح الإعلان عيون لجنة الرقابة على المصارف، التي نبّهت في 10 تشرين الثاني 2015 في كتاب إلى حاكم مصرف لبنان الى مخالفات تقوم بها الشركة اللبنانية العربية للتسليف. أعلنت اللجنة انه ما من قرض بـ 5 دقائق، وأن مصرف لبنان تلقى سابقا أكثر من شكوى على الشركة من قبل الزبائن. أحال مصرف لبنان كتاب لجنة الرقابة إلى النيابة العامة المالية، وبدأت الشكاوى والدعاوى بالظهور مع إصدار النيابة العامة قرارا بوقف إعلانات الشركة، علما ان هذه الشركة تعد من أبرز المعلنين في قنوات الجديد، MTV و LBC.
الـ 5 دقائق تلغي حماية العملاء
بعيداً عن تفاصيل الدعاوى المرفوعة، التي أعلن صاحب الشركة فادي خيرو في برنامج "للنشر" على قناة الجديد منذ أيام انها "لابتزازه إذ هناك فقط نحو 20 شكوى ضدنا من بين الاف الزبائن"، سُجلّت مخالفات واضحة تقوم بها الشركة. المخالفة الأولى هي ما كشفته لجنة الرقابة على المصارف وفحواها أن لا وجود لقرض "بـ 5 دقائق مقابل رهن". فوفق كتابها "لا يمكن لأي شركة أن تقوم بتزويد العميل بالمعلومات الدقيقة والواضحة والوافية لشروط المنتج أو الخدمة في خمس دقائق وغيرها من المتطلبات الضرورية وفق الممارسات الفضلى العالمية لحماية العملاء". إذاً قرض الـ "5 دقائق" يلغي بالدرجة الأولى الحماية للعملاء عبر عدم تزويدهم بكافة المعلومات ما قد ينطلي على عملية خداع أو احتيال، اقلّه على صعيد محتوى الاعلان.
عقود بيع مقابل قروض
ماذا عن القرض مقابل رهن؟ أيضاً هناك اختلاف بين ما يرد في الإعلان والواقع، فقد اعترف خيرو في البرنامج بأن لا وجود لرهن إنما ثلاثة أنواع من عقود البيع، هي عقد بيع مشروط بحق الاسترداد، وكالة غير قابلة للعزل أو عقد بيع ممسوح.
ينبّه خيرو انه ينظَّم في الوقت نفسه كتاب من الشركة يتعهد فيه إرجاع العقار عند إتمام الأمور! يعترف خيرو بأن استخدام كلمة رهن في الإعلان كان خطأ وسيجري تصحيحه. يُطرح هنا سؤالٌ بسيط: إذا كان هناك تعهد بإرجاع العقار فلماذا لا ينظّم دائماً عقد بيع مشروط بحق الاسترداد؟ إلا أن السؤال الأهم هو هل يجوز أن يعطى قرض مقابل العقود المذكورة التي عددها خيرو؟ يرى المحامي الدكتور بول مرقص أنه "لا يمكن إعطاء قرض مقابل هذه العقود لأن هذا يعد تعسّفاً واستعادة حق باليد. الأصول هي أن يأخذ الدائن وعدا أو تعهدا بالضمانة، أي وكالة تأمين عقاري يوقعها المقترض لمصلحة شخص ثالث يكون موضع ثقة من الدائن". بمجرد ان تحصل عملية الإقراض بموجب عقد بيع ممسوح أو وكالة غير قابلة للعزل، تصبح عملية رد العقار بإرادة الشركة، لا بما اتُفق عليه مع الزبون، وبالتالي هي عملية بيع لا إقراض، ما يعني ان هناك مخالفة لشروط الإقراض وإستيلاءً على عقارات الناس بحجة الإقراض.
يؤكد المحامي صلاح صلاح مطر انّه "إنطلاقاً من مبدأ الاقراض يجب أن يكون هناك في المقابل رهن أو تأمين لضمان حق الدائن. أمّا العقود الأخرى المذكورة، فلا علاقة لها بعملية الإقراض انما هي تصرّف قانوني آخر (عملية بيع وشراء) باتفاق الطرفين لأنه بمجرد إنجاز عقد بيع ممسوح أو وكالة غير قابلة للعزل يمكن للدائن أن ينقل العقار على إسمه لأن المدين وقّع على حصوله على كافة مبلغ البيع، وبالتالي هي عملية استغلال. كذلك بالنسبة لعقد البيع المشروط بحق الاسترداد، إذ إنه غير متصل بمسألة القرض". وفي قضية مشابهة هي بيت المال للتسليف المالي (الحدث) و MFD (جل الديب) لمرشد ضاهر، ألغى القضاء عقود البيع الممسوحة المنفّذة مقابل قرض، وبالتالي عدّ هذه الوسيلة جرمية لأنها تخضع الضحية للإبتزاز، فلماذا لم يدن القضاء "الشركة اللبنانية العربية للتسليف» حتى اليوم لاستعمالها الاساليب نفسها؟ ولماذا لم يصدر المدعي العام المالي قرارا يلزم هذه الشركة المذكورة بالغاء كل العقود المماثلة التي ابرمتها مع زبائنها؟
مكاسب قائمة على الإستغلال
"لأن بعض الأشخاص لا يمكنهم أن يحصلوا على قرض من المصرف لاسباب عدّة تقوم الشركة بمساعدتهم"، هكذا يعلن خيرو في برنامج للنشر، لكن ماذا عن دراسة قدرة الشخص على إرجاع الدين؟ يقول خيرو "منسألو بس ما منطلب مستندات لإن منديّن بـ 5 دقائق"، جوابٌ يعني أن لا دراسة تحصل لمعرفة قدرة الشخص على إرجاع الدين.
تقوم هذه الكونتوارات إذاً على إستغلال ظروف الزبائن المادية الصعبة لتحقيق مكاسب، ففعلياً من هم زبائن هذه الشركات؟ ينقسم هؤلاء الى ثلاث فئات: أشخاص ليس لديهم الإمكانات المطلوبة من المصارف للإستدانة، وبالتالي يلجأون إلى هذه الكونتوارات، أشخاص أخذوا قروضا من مصارف ولم يعد بإمكانهم الإستدانة منها، أو أشخاص يحتاجون إلى الإستدانة بسرعة ولا يمكنهم أن ينتظروا إنجاز معاملات المصرف. ان اعطاء قرض غير مستند إلى قدرة الفرد على سداده يؤدي الى اخضاعه لشروط غير عادلة، وبالتالي يهدّد الإنتظام المالي العام لأنه لا يؤمن حماية للفرد، وهذه هي المخالفة الأبرز التي يجب البحث فيها قبل الدخول في تفاصيل أخرى، لأنه في هذه الحالة يصبح الهدف الإستيلاء على العقارات والرهون الاخرى، لا التسليف بحد ذاته مقابل فائدة. لذلك هل يجوز اعطاء قرض من دون دراسة القدرة المالية للشخص على إعادة الدين؟ يقول مرقص إنه «وفقاً لأصول التسليف الإئتمانية لا يمكن إعطاء قرض من دون دراسة قدرة الشخص على رده». فالمبدأ العام يفرض ان يُعطى القرض لمن لديه القدرة على ارجاعه، أما عند اعطاء قرض لمن لا يملك القدرة على رده، فتكون النية الإستيلاء على الممتلكات. يرى مطر أنه "بمجرد أن تخرج عملية الإقراض عن الأصول المتبعة، فهذا يعني ان هناك نيات أخرى تتعدّى إعطاء قرض".
يُعدّ هذا القطاع غير منظم حتى اليوم، وبالتالي فإن مسألة تحديد ما هو قانوني وما هو غير قانوني لا تزال مبهمة، وفيها ثُغر تمكّن المشتبه به - أيّاً كان وبشكل عام- من النفاذ عبر إثبات أنه لم يخالف القانون، لكن في هذه الحالة، ونظراً لهذا الإبهام، على النيابة العامة المالية أن تقرر أمراً اساسياً: هل تحقق في المسألة بالإرتكاز على خرق القوانين أم على الإستغلال والضرر اللذين لحقا بالأشخاص؟ أي إذا تبيّن أنّ الشخص تمكّن من النفاذ مما يدينه به القانون فهل يتوسّع القاضي في التحقيق ليرى إن كان هذا النفاذ قد أدّى إلى ضرر واستغلال أُلحقا بالضحايا، وبالتالي أدّيا إلى جريمة؟ حتى اليوم لا شيء يشير الى ان النيابة العامة المالية تتجه لإنصاف الضحايا بإدانة الإستغلال الحاصل، إذ إنها سبق ان استدعت خيرو وحققت معه لكنها "لم تثبت أي مخالفة للقانون"، علماً أن المعلومات تشير الى تقاطع كبير في الوقائع في إفادات المدّعين.
تأجيل إصدار التعميم الناظم للكونتوارات
وسط هذه الفوضى يُطرح دور مهم لمصرف لبنان في عملية ضبط كونتوارات التسليف. فقد ذكر نائب حاكم مصرف لبنان محمد بعاصيري خلال برنامج للنشر أنّ "مصرف لبنان بصدد إصدار تعميم حول تنظيم عمل شركات التسليف هذه ليكون بمتناول الجميع، وخصوصاً الأشخاص المتعاملين مع هذه الشركات". أعلن بعاصيري انذاك ان التعميم سينشر في الجريدة الرسمية نهار الخميس، أي أمس، إلا انه لم يصدر حتى اليوم. مشروع التعميم ليس حديثاً إنما يقبع منذ زمن في ادراج المصرف، أمّا ما استدعى اعادة تحريكه أخيرا، فهي الشكاوى الكثيرة على هذه الكونتوارات التي يقدمها الناس. يقول بعاصيري لـ "الأخبارط أن التعميم تأخر بسبب الاجراءات البيروقراطية التي عليه ان يمر بها في مصرف لبنان على ان يصدر كحد أقصى الإثنين المقبل. يضيف بعاصيري إنّ التعميم "ينظم عمل الكونتوارات بخطوة غير مسبوقة". وعن الشكاوى التي يتقدم بها ضحايا الشركة اللبنانية العربية للتسليف، يقول بعاصيري انه لا يمكنه أن يكشف اجراءات لجنة الرقابة على المصارف، مكتفياً بالقول إنه لا بد للحق أن يأخذ مجراه.
مصدر مطلع كشف لـ"الاخبار" ان التعميم المذكور لم يصدر بسبب وجود اشكاليات تتعلق بدراسة ميزانيات كونتوارات التسليف، فضلا عن ان هناك ضغوطا لاعاقة صدور هذا التعميم.
يتضمن مشروع التعميم شروط ممارسة عمل الاشخاص الخاضعين لأحكام المادتين 183 و184 من قانون النقد والتسليف "كونتوارات التسليف". ويحدد على نحو واضح شروط الإقراض لهذه المؤسسات، إذ يحظر على الكونتوارات أن تأخذ وكالات غير قابلة للعزل أو وكالات بيع لمصلحتها أو باسمها، أو لمصلحة أو باسم اي طرف ثالث تابع لها بصورة مباشرة او غير مباشرة، كضمانة للتسليفات، كما يمنعها من إعطاء عملائها قروضاً تقل قيمتها عن 60% من قيمة الضمانة المقدمة سوى بطلب خطي من العميل. كذلك يحدد انّ التسديدات الشهرية يجب الا تتجاوز نسبة 35% من دخل العائلة. هكذا اذا يصنّف التعميم ما كانت تقوم به الشركة اللبنانية العربية للتسليف ضمن خانات المخالفات. إلا أن التعميم لا يلغي نظام "العلم والخبر" الذي تعمل على اساسه الكونتوارات، لكنه يفرض ان تكون الكونتوارات عبارة عن شركة مغفلة مؤسسة في لبنان يكون موضوعها محصورا بعمليات التسليف، وان يكون رأسمالها الادنى ملياري ليرة لبنانية.
(إيفا الشوفي - الأخبار)