تتحول المخاطر الجيوسياسية اليوم من أحداث طارئة إلى عامل هيكلي يعيد رسم طريقة تسعير السلع العالمية، في وقت تبدو فيه أسواق الأسهم أقل حساسية للصدمات السياسية مقارنة بأسواق الطاقة والمعادن. فالصراعات الممتدة من
أوكرانيا إلى
الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية لم تعد تمرّ كضجيج عابر، بل باتت تُدمج مباشرة في الأسعار على شكل "علاوة مخاطر دائمة".
لم تعد الأسواق تنتظر تعطل الإمدادات كي تتحرك، بل باتت تسعّر الخطر مسبقًا، وهو ما ظهر بوضوح منذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، ثم تعزز مع تصاعد التوترات العالمية. اليوم، تحوّلت الجغرافيا السياسية إلى عنصر يومي في قرارات الشراء والاستثمار في أسواق
النفط والمعادن والمواد الخام.
ويقول رئيس قسم الأسواق المالية في FXPro إن المخاطر الجيوسياسية لم تعد محرّكًا ظرفيًا، بل أصبحت جزءًا من البنية العميقة للأسواق. فالعقوبات، وإغلاق الممرات البحرية، والتوتر بين القوى الكبرى، ترفع الأسعار حتى قبل حدوث أي نقص فعلي، لأن العقود الآجلة باتت تحمل في داخلها تكلفة الخطر السياسي.
ويضيف أن
الذهب استعاد موقعه كملاذ آمن مع تراجع الثقة بالعملات، بينما أصبح النفط والغاز أكثر ارتباطًا بالقرارات السياسية من معادلات
العرض والطلب التقليدية. كما دفعت هذه التحولات الدول والشركات إلى إعادة تصميم سلاسل التوريد، ما رفع كلفة الإنتاج والنقل وخلق فجوات سعرية بين المناطق.
من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي محمد الخفاجي أن الأسواق دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها المخاطر الجيوسياسية مجرد صدمات مؤقتة، بل عنصرًا دائمًا في التسعير. ويشير إلى أن ارتفاع أسعار النحاس والمعادن الصناعية لا يعكس فقط نقص الإمدادات، بل أيضًا خوف المستثمرين من تفكك سلاسل التوريد العالمية.
كما يلفت إلى أن الذهب تجاوز 4400 دولار للأونصة في ظل تصاعد التوترات الدولية، في تحرك يعكس لجوء الأسواق إلى الملاذات الآمنة. أما النفط، فرغم بقائه ضمن نطاق 61–65 دولارًا للبرميل، فإن أي تصعيد في مضيق هرمز أو الشرق الأوسط كفيل بإضافة علاوة مخاطر تصل إلى 10 دولارات للبرميل.
وتؤكد دراسات حديثة، بينها أبحاث منشورة في مجلة Energy Policy، أن التوتر بين
الولايات المتحدة والصين بات يخلق تقلبات هيكلية في أسواق الطاقة، ويمنح
الصين أفضلية في السيطرة على سلاسل معالجة
المعادن النادرة، في مقابل هشاشة النماذج الغربية.
لم تعد أسواق السلع تتحرك فقط وفق العرض والطلب، بل وفق خرائط النفوذ والصراع. فالعالم ينتقل تدريجيًا من منطق العولمة إلى منطق الأمن الاستراتيجي، حيث تتحول الطاقة والمعادن والغذاء إلى أدوات سيادة، ويصبح الصراع نفسه جزءًا دائمًا من معادلة التسعير العالمية.