تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

إقتصاد

هل تحكم البيتكوين النظام النقدي العالمي؟

Lebanon 24
19-02-2026 | 07:58
A-
A+
هل تحكم البيتكوين النظام النقدي العالمي؟
هل تحكم البيتكوين النظام النقدي العالمي؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
منذ ظهور عملة البيتكوين عام 2009 وانتشارها عالمياً كأكبر عملة رقمية من حيث القيمة السوقية وتزايد المستمر في سعر البيتكوين، يطرح سؤال بارز: هل يمكن أن تصبح البيتكوين العملة الرسمية للعالم؟ تتسم البيتكوين بأنها عملة لا مركزية عابرة للحدود، يتم تداولها على مدار الساعة حول العالم دون الحاجة إلى وسيط مركزي. وقد أدى هذا الانتشار العالمي إلى تصاعد النقاش حول إمكانية اعتمادها كعملة موحدة للتبادل الدولي.

في الوقت الحالي، يستخدم الملايين حول العالم البيتكوين سواء للاستثمار أو الدفع؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 106 مليون شخص يمتلكون البيتكوين في عام 2026، أي ما يعادل 1.3% فقط من سكان العالم. وتمتاز هذه العملة الافتراضية بمزايا فريدة قد تدعم فكرة عملة عالمية موحدة: فهي ذات عرض محدود لا يتجاوز 21 مليون وحدة، مما يمنحها مقاومة نسبية للتضخم على المدى الطويل؛ كما أن معاملاتها رقمية فورية عبر الإنترنت من دون المرور بالنظام المصرفي التقليدي، مما يسهّل المدفوعات عبر الحدود ويخفض تكاليف التحويل المالي. ويؤكد مؤيدو البيتكوين أن طبيعتها اللامركزية تمنع السيطرة الحكومية عليها، مما يحول دون التلاعب بالمعروض النقدي ويكبح التضخم المفرط الذي قد ينتج عن طباعة العملات التقليدية بلا قيود. وينظر البعض إلى البيتكوين على أنه "ذهب رقمي" يمكن أن يكون مخزنًا للقيمة ووسيلة تحوّط من التضخم مثل الذهب التقليدي، نظراً لندرة المعروض منه وعدم ارتباطه بمخاطر الأطراف المقابلة.

وفعلياً، بدأت بعض الدول الصغيرة باختبار اعتماد البيتكوين رسمياً. أصبحت السلفادور في 2021 أول دولة تجعل البيتكوين عملة قانونية بجانب الدولار الأمريكي، تلتها جمهورية أفريقيا الوسطى في 2022. هدفت هذه الخطوات إلى تعزيز الشمول المالي وجذب الاستثمارات؛ ففي حالة السلفادور، راهن الرئيس نايب بوكيلي على أن البيتكوين سيوفر الخدمات المالية لنحو 70% من السكان الذين لا يملكون حسابات مصرفية، ويسهّل تلقي التحويلات من الخارج التي تشكل 20% من الناتج المحلي للبلاد. كما شهدت السلفادور انتشاراً لمدفوعات البيتكوين، مع قبول أكثر من 1,166 شركة محلية الدفع بها حتى الآن. هذه المؤشرات تعكس إمكانية استخدام البيتكوين في الحياة اليومية بجانب العملات التقليدية.

مع ذلك، واجهت تجربة "الدولرة بالبيتكوين" في تلك البلدان تحديات كبرى. فقد أظهرت دراسة في يوليو 2022 أن أقل من ربع المواطنين في السلفادور استمروا في استخدام المحفظة الرقمية الحكومية للبيتكوين، وأن العديد من الأعمال التجارية عادت إلى التعامل النقدي التقليدي. كما انخفضت قيمة ما استثمره البنك المركزي السلفادوري في البيتكوين (حوالي 107 مليون دولار) بأكثر من 60% مع تراجع أسعارها. في جمهورية أفريقيا الوسطى، أدى ضعف البنية التحتية الرقمية (الكهرباء والإنترنت) إلى إعاقة انتشار استخدام البيتكوين. وأثار تبني البيتكوين توتراً مع المؤسسات المالية الدولية؛ حيث حذّر صندوق النقد الدولي من أنه لن يقدم قروضاً للسلفادور ما لم تُعدل سياستها بشأن البيتكوين نظراً للمخاطر المالية. وبالفعل، رضخت حكومة السلفادور للضغوط وتوقفت عن شراء المزيد من البيتكوين في 2025 كجزء من تلبية شروط صندوق النقد.

على الصعيد العالمي، ما زالت معظم البنوك المركزية والحكومات متحفظة بشدة حيال تحويل البيتكوين إلى عملة رسمية. فالبنوك المركزية ترى في تقلب البيتكوين الشديد عقبة أساسية؛ إذ شهدت العملة الرقمية منذ انطلاقها موجات صعود وهبوط حادة بشكل متكرر (وقوع 19 موجة انخفاض تفوق 20% بقيمة وسطية حوالي 44%)، مما يجعل استخدامها كوسيلة للتسعير والتبادل محفوفاً بالمخاطر. كذلك، ما زال استخدام البيتكوين في المعاملات اليومية محدوداً؛ حيث قدّرت إحدى الدراسات أن أقل من 30% من نشاط العملات المشفرة يُكرَّس حالياً لشراء السلع والخدمات، بينما الغالبية للتداول والاستثمار. هذه المؤشرات تعزز الرأي القائل بأن البيتكوين حالياً أقرب لأصل استثماري منه لعملة مستقرة للاستخدام اليومي.

ومن الناحية التنظيمية، لا يوجد إجماع دولي بعد حول كيفية التعامل مع العملات الرقمية. فقد حظرت الصين التعامل بالعملات المشفرة تماماً، في حين أحرز الاتحاد الأوروبي تقدماً في وضع إطار تنظيمي على مستوى التكتل (قانون MiCA). أما الولايات المتحدة فقد مددت غالباً القوانين المالية القائمة لتشمل صناعة التشفير، مع ترك الباب مفتوحاً لمزيد من التشريعات مستقبلاً. هذا التفاوت في نهج التنظيم دفع صندوق النقد الدولي للتحذير من أن المسارات التنظيمية المتباينة ستجعل من الصعب تنسيق الجهود لاحقاً، وقد تمنح الفرصة لمستغلي الثغرات لممارسة أنشطة مالية غير قانونية باستخدام العملات المشفرة.

ورغم النمو الكبير لقيمة البيتكوين السوقية والتي تجاوزت 3.7 تريليونات دولار لسوق الأصول المشفرة في ذروتها عام 2024، لتستحوذ البيتكوين وحدها على ما يزيد عن 60% من القيمة الإجمالية، فإن البنوك المركزية الكبرى لا تزال بعيدة عن احتضانها. وقد شددت كريستين لاغارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي على أن المصارف المركزية لن تحتفظ بالبيتكوين في احتياطياتها قريباً، قائلة إن "الاحتياطيات يجب أن تكون سائلة وآمنة"، وإن البيتكوين بتقلبه العالي ومخاطره المرتبطة بغسل الأموال والأنشطة غير المشروعة لا يفي بهذه المعايير. بل وصف مسؤولون في البنك المركزي الأوروبي البيتكوين بأنه "لا يصلح كوسيلة دفع أو كاستثمار" وأن "قيمته العادلة قد تكون صفراً". وعلى المنوال ذاته، صرح جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في أواخر 2024 أن البنك المركزي "غير مسموح له بامتلاك البيتكوين" وأنه لا يسعى لتغيير القانون بهذا الخصوص.

وبدلاً من تبني عملة مشفرة لا مركزية، تتجه البنوك المركزية حول العالم نحو تطوير عملاتها الرقمية الخاصة للحفاظ على السيطرة. فبحسب تقرير حديث، هناك 130 بلداً – تمثل قرابة 98% من الناتج الاقتصادي العالمي – تدرس أو تطور عملات رقمية للبنوك المركزية (CBDC)، وقد وصل نحو نصفها إلى مراحل متقدمة من التجريب أو الإطلاق الفعلي. يعكس هذا التوجه رغبة الدول في الاستفادة من تقنيات البلوكشين والعملات الرقمية دون التضحية بسيادة سياستها النقدية. فلو حلت البيتكوين مكان العملات الوطنية كعملة عالمية موحدة، لفقدت البنوك المركزية أدواتها التقليدية للتحكم بالمعروض النقدي وأسعار الفائدة، مما قد يقوض قدرتها على إدارة الاقتصاد، ولذلك تبقى المؤسسات النقدية حذرة جداً حيال هذا السيناريو.

جانب آخر لا يمكن إغفاله هو اعتبارات الأمان. فرغم أن تقنية سلسلة الكتل الخاصة بالبيتكوين ذات موثوقية عالية، فإن منصات التداول والمحافظ الرقمية ليست بمنأى عن الاختراقات. وقد تعرضت بورصات العملات المشفرة لسرقات ضخمة، حيث سُرق ما يقدر بـ 2.2 مليار دولار من الأصول الرقمية خلال عام 2024 وحده نتيجة عمليات قرصنة – بزيادة 21% عن خسائر 2023 – علماً بأن عام 2022 شهد الرقم القياسي لسرقات العملات المشفرة بإجمالي 3.7 مليارات دولار. مثل هذه الحوادث تزعزع الثقة لدى المستخدمين وصانعي القرار، خاصة وأن فقدان المدخرات ممكن بضغطة زر إذا ما تمكن القراصنة من اختراق منصة أو حصولهم على المفاتيح السرية. وإضافة إلى ذلك، يؤدي التعقيد التقني إلى أخطاء المستخدمين أنفسهم في حفظ كلمات المرور والمفاتيح الخاصة، مما تسبب في فقدان دائم لما يملكونه من بيتكوين؛ إذ تُشير تقديرات إلى أن بين 3 إلى 4 ملايين بيتكوين قد فُقدت إلى الأبد بسبب نسيان المفاتيح أو فقدان الأجهزة.

ولا يمكن تجاهل البعد البيئي في تقييم تبني البيتكوين على نطاق عالمي. فآلية تعدين البيتكوين تستهلك كميات هائلة من الطاقة الكهربائية لتشغيل الحواسيب وحل المعادلات التشفيرية المعقدة. التقديرات تشير إلى أن الشبكة تستهلك ما يفوق 204 تيراواط/ساعة سنوياً، وهو مستوى يقارب استهلاك دولة مثل تايلاند من الكهرباء. وقد أثار هذا الانتقاد من هيئات دولية ومنظمات بيئية، خاصة مع اعتماد جزء كبير من تعدين البيتكوين على مصادر طاقة غير متجددة مثل الفحم والغاز، ما يرفع البصمة الكربونية. لذا فإن أي خطوة نحو تحويل البيتكوين لعملة عالمية لا بد أن تضع في الحسبان معالجة هذه التحديات عبر التحول نحو التعدين بالطاقة النظيفة وتقنيات أقل استهلاكاً.

في المحصلة، رغم أن البيتكوين أثبت نفسه خلال أكثر من عقد كابتكار مالي لافت وكأكبر عملة رقمية مشفرة، ورغم أنه مرشح نظري بفضل عالميته وحياده ليكون عملة كوكبية واحدة، فإن العقبات الواقعية والتنظيمية تجعل هذا السيناريو غير مرجح في الوقت الراهن. فبالنسبة للكثير من الحكومات، سيظل البيتكوين أصلاً استثمارياً عالي المخاطر أشبه بـ"الذهب الرقمي" يُخزن للقيمة وليس بديلاً عن عملاتها الوطنية المدعومة باقتصاداتها. وربما نشهد خلال السنوات المقبلة ارتفاعاً في دور البيتكوين كأصل احتياطي تكميلي – حيث تتوقع بعض الدراسات إمكانية أن تحتفظ به عدة بنوك مركزية بجانب الذهب في غضون هذا العقد – بيد أن تحويله إلى عملة قانونية مشتركة للعالم يتطلب توافقاً دولياً غير مسبوق وتغلباً على تقلباته ومخاطره الحالية. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى البنوك المركزية متمسكة بسيادتها النقدية عبر تطوير عملاتها الرقمية الخاصة، فيما يظل البيتكوين لاعباً رئيسياً في أسواق المال العالمية ولكن خارج إطار العملة الرسمية الموحدة.
(خدمات إعلانية)
 
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك