كشفت صحيفة "
واشنطن بوست" الأميركية أن
وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" تعمل على تطوير برنامج تجسس سري يستهدف
الصين ودولاً أخرى منافسة للولايات المتحدة، في إطار توسيع أدوات الحرب الاقتصادية التي تعتمدها إدارة الرئيس
دونالد ترامب.
ونقلت الصحيفة عن ستة أشخاص مطلعين على المبادرة أن البرنامج يقوم على نشر عناصر استخباراتية تحت غطاء رجال أعمال أو موظفين في شركات خاصة، من دون أي ارتباط معلن بالحكومة الأميركية، بهدف جمع معلومات اقتصادية حساسة تخدم المصالح الاستراتيجية لواشنطن.
وبحسب التقرير، يتولى الإشراف على المشروع توم راكوسان، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "CIA"، الذي أمضى 39 عاماً في العمل الاستخباراتي، ويشغل حالياً منصب كبير مستشاري نائب
وزير الدفاع ستيف فاينبرغ.
وأشارت الصحيفة إلى أن البرنامج لا يزال في مرحلة التخطيط، ولم يدخل حيز التنفيذ، فيما لم يُحسم بعد ما إذا كان سيُنشأ كوحدة مستقلة داخل البنتاغون أو سيُدمج ضمن قدراته الحالية لجمع المعلومات الاستخباراتية البشرية.
وفي المقابل، نفت وزارة الدفاع الأميركية وجود مبادرة من هذا النوع، معتبرة أن المعلومات المتداولة بشأنها غير صحيحة، بينما امتنعت وكالة الاستخبارات المركزية عن التعليق.
الحرب الاقتصادية تتحول إلى أولوية استخباراتية
ولفتت "واشنطن بوست" إلى أن المشروع يأتي ضمن توجه أوسع لإدارة
ترامب نحو استخدام الأدوات الاقتصادية في مواجهة خصوم
الولايات المتحدة، من خلال الرسوم الجمركية وقيود التصدير والاستثمارات الاستراتيجية، إلى جانب توسيع عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية الاقتصادية.
وفي هذا السياق، كان نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية مايكل إليس قد أعلن في أيلول توسيع أنشطة التجسس ضد الشركات الصينية، خصوصاً العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية وأشباه الموصلات المتقدمة.
كما نقلت الصحيفة عن نائب مدير الوكالة السابق ديفيد كوهين دعوته إلى إنهاء الحظر المفروض على مشاركة المعلومات الاقتصادية التي تجمعها أجهزة الاستخبارات مع الشركات الأميركية العاملة في التكنولوجيا المتقدمة، بما يمنحها ميزة تنافسية، شرط إخضاع العملية لرقابة تمنع المحاباة والفساد.
وبالتوازي مع هذا التوجه، أنشأ البنتاغون خلال العام الجاري "وحدة الدفاع الاقتصادي"، التي تتولى تنفيذ استثمارات استراتيجية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ووفق التقرير، شملت أنشطة الوحدة تخصيص 750 مليون دولار للمساعدة في تأمين الوصول إلى مكمن كبير للمعادن الأرضية النادرة في البرازيل، ضمن مساعي واشنطن لتعزيز سيطرتها على الموارد الحيوية.
خلافات بين البنتاغون ووكالة الاستخبارات
وكشفت "واشنطن بوست" أن المشروع أثار تحفظات داخل وكالة الاستخبارات المركزية، التي تعتبر التجسس البشري السري أحد اختصاصاتها الأساسية.
ونقلت عن مسؤول سابق رفيع المستوى في الوكالة قوله إن راكوسان "يريد ببساطة إنشاء وكالة استخبارات مركزية خاصة به داخل البنتاغون"، في إشارة إلى المخاوف من تداخل الصلاحيات بين المؤسستين.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه برنامج العملاء العاملين تحت غطاء غير رسمي التابع للوكالة من تراجع كبير، نتيجة تقاعد عناصره المخضرمين وصعوبة إعداد بدائل لهم.
وبحسب التقرير، كشف تقييم داخلي أُعد خلال جائحة
كورونا أن نحو 75% من ضباط الوكالة العاملين تحت غطاء عميق كانوا سيصبحون مؤهلين للتقاعد بحلول منتصف العقد الحالي.
وأوضحت الصحيفة أن هذا النوع من العمليات ينطوي على مخاطر مرتفعة، إذ لا يستطيع العملاء المتخفّون الاستفادة من الحصانة الدبلوماسية أو العمل انطلاقاً من السفارات الأميركية، ما يجعل اعتقالهم أو كشف هوياتهم أكثر خطورة.
كما تواجه عمليات التجسس الحديثة تحديات إضافية بسبب انتشار تقنيات القياسات الحيوية والآثار الرقمية، التي تجعل إخفاء الهوية الحقيقية للعناصر أكثر صعوبة.
صلاحيات قانونية غامضة
وأشارت "واشنطن بوست" إلى أن الإطار القانوني الذي سيحكم البرنامج الجديد لا يزال غير واضح، خصوصاً مع اختلاف الصلاحيات التي تنظّم الأنشطة العسكرية عن تلك التي تحكم العمليات السرية لأجهزة الاستخبارات.
ونقلت عن مسؤولين سابقين وصفهم المشروع بأنه قد يعمل وفق صيغة هجينة تجمع صلاحيات وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية، في ظل غياب إطار قانوني محدد لهذا النوع من العمليات.
كما ذكرت أن اللجان المختصة في الكونغرس لا يبدو أنها أُبلغت بالمبادرة حتى الآن.
ورأت الصحيفة أن المشروع يعكس تحوّلاً في موازين النفوذ داخل الإدارة الأميركية، مع سعي البنتاغون إلى توسيع دوره في العمليات الاستخباراتية والاقتصادية، بالتزامن مع مطالبته بميزانية قياسية تبلغ 1.5 تريليون دولار.
وبحسب مسؤولين سابقين تحدثوا إلى الصحيفة، فإن وزارة الدفاع تبدو أكثر استعداداً لتحمّل مخاطر العمليات الاستخباراتية السرية، في مقابل الحذر الذي تبديه وكالة الاستخبارات المركزية.
ويكشف التقرير عن اتجاه أميركي نحو توسيع مفهوم المواجهة الاقتصادية ليشمل عمليات التجسس البشري تحت غطاء تجاري، في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع الصين على التكنولوجيا المتقدمة والموارد الاستراتيجية.