تواجه الأسواق المالية العالمية تحدياً متزايداً مع استمرار الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي، إذ يسعى المستثمرون إلى إيجاد وسائل فعّالة للحد من مخاطر التراجع المحتمل في أسهم التكنولوجيا، وسط مخاوف من أن تكون التداعيات أوسع من القطاع نفسه.
وتطرق تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" وترجمه "
لبنان 24" إلى الصعوبات التي تواجه استراتيجيات التحوّط في ظل تنامي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وأشار إلى أن تشابك الاستثمارات في التكنولوجيا ومراكز البيانات والطاقة والبنية التحتية يجعل من الصعب عزل المحافظ المالية عن أي اضطرابات واسعة النطاق.
استثمارات بمليارات الدولارات وعوائد غير محسومة
تتمثل إحدى أبرز نقاط القلق في احتمال اتساع
الفجوة بين الأموال التي يجري ضخها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والإيرادات التي يمكن أن تحققها هذه الاستثمارات مستقبلاً.
وفي هذا السياق، يورد المقال تقديرات منسوبة إلى شركة "غارتنر" تشير إلى أن مالكي مراكز البيانات قد يحتاجون إلى إيرادات تصل إلى نحو 8.5 تريليون دولار بحلول عام 2030 لتغطية التكاليف وتحقيق عوائد مناسبة، في مقابل تقديرات تبلغ نحو 3.6 تريليون دولار للإنفاق المتوقع على خدمات الذكاء الاصطناعي.
وتُعيد هذه الأرقام طرح تساؤلات بشأن قدرة الطلب على مواكبة التوسع الاستثماري المتسارع، خصوصاً إذا جاء تبنّي التقنيات الجديدة أبطأ من المتوقع، أو أخفقت الشركات في تحويل الاستثمارات الضخمة إلى إيرادات وأرباح تتناسب مع تقييماتها السوقية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن القطاع يتجه إلى أزمة، لكنه يسلّط الضوء على المخاطر التي قد تنشأ عندما ترتفع التوقعات الاستثمارية إلى مستويات يصعب تحقيقها.
لماذا لا تكفي أدوات التحوّط التقليدية؟
تُضيف الصحيفة :"يلجأ المستثمرون عادة إلى تنويع محافظهم بين الأسهم والسندات والذهب والسيولة، إلى جانب توزيع استثماراتهم جغرافياً وقطاعياً، بهدف تقليص أثر التراجعات الحادة في الأسواق.
لكن اتساع طفرة الذكاء الاصطناعي يضع هذه الاستراتيجية أمام اختبار جديد، إذ باتت قطاعات مختلفة مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمسار نمو التكنولوجيا، ما قد يحدّ من قدرة التنويع التقليدي على توفير الحماية المطلوبة في أوقات الاضطراب."
وتشمل الخيارات المتاحة الاحتفاظ بالسيولة والسندات الحكومية والذهب، والتوجه إلى أسهم الشركات التي تتمتع بتقييمات أكثر ارتباطاً بأرباحها الحالية، فضلاً عن استخدام المشتقات المالية وصناديق التحوّط والاستثمارات الخاصة.
غير أن هذه الأدوات لا تخلو من المخاطر. فالسيولة قد تفقد جزءاً من قوتها الشرائية بفعل التضخم، والذهب قد يشهد تقلبات سعرية، فيما يمكن أن تتأثر أسواق خارج
الولايات المتحدة بأي تراجع عالمي في قطاع التكنولوجيا. كذلك، قد تنطوي المشتقات المالية على تكاليف مرتفعة ومخاطر إضافية، بينما يصعب تسييل بعض الاستثمارات الخاصة بسرعة عند الحاجة إلى الأموال.
مخاطر تمتد إلى التمويل والبنية التحتية
لا تقتصر تداعيات أي تباطؤ محتمل في طفرة الذكاء الاصطناعي على أسعار أسهم شركات التكنولوجيا، بل قد تشمل أيضاً الشركات التي تبني وتشغّل مراكز البيانات، والمستثمرين الذين يموّلون هذه المشاريع، والقطاعات المرتبطة به، وفق الصحيفة.
فارتفاع تكاليف الاقتراض أو تراجع شهية المستثمرين للمخاطرة قد يؤديان إلى تأجيل مشاريع جديدة أو تقليص الإنفاق الرأسمالي، خصوصاً لدى الشركات التي تعتمد على استمرار تدفق التمويل لتنفيذ خططها التوسعية.
كما قد تتزايد الضغوط إذا جاءت الأرباح دون التوقعات، أو ظهرت عقبات أمام الاستخدام التجاري الواسع للتقنيات الجديدة، أو تصاعدت المخاوف المتعلقة بسلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاعتراضات السياسية والتنظيمية على التوسع في إنشاء مراكز البيانات.
وفي حال تزامن عدد من هذه العوامل، قد تتسع موجات البيع لتشمل قطاعات أخرى، ولا سيما إذا تبيّن أن استثمارات تبدو متنوعة في ظاهرها تعتمد في الواقع على استمرار الزخم نفسه في قطاع الذكاء الاصطناعي.
هل تستطيع الأسواق تجنّب تصحيح واسع؟
تقول الصحيفة: "تكمن المعضلة أمام المستثمرين في أن الذكاء الاصطناعي بات يشغل حيزاً متزايداً في الأسواق المالية، ما يجعل الانسحاب الكامل من القطاع خياراً صعباً، في حين لا توفر أدوات التحوّط التقليدية ضمانات ضد التراجعات الشاملة."
وقد تتأثر الاستثمارات في قطاعات أخرى أيضاً إذا أدى انخفاض أسهم التكنولوجيا إلى تراجع الثقة في الأسواق، أو تشديد شروط التمويل، أو تقليص الإنفاق على الطاقة والبنية التحتية والخدمات المرتبطة بالقطاع.
ومن هنا، لا يقتصر السؤال المطروح على قدرة الذكاء الاصطناعي على مواصلة النمو، بل يشمل أيضاً مدى توافق العوائد الاقتصادية المستقبلية مع حجم الاستثمارات الحالية، وقدرة الأسواق على استيعاب أي تصحيح محتمل من دون انتقال تداعياته إلى النظام المالي الأوسع.
اختبار حقيقي لاستراتيجيات الاستثمار
تعكس المخاوف المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي معادلة معقدة أمام المستثمرين: الاستفادة من قطاع يمتلك إمكانات نمو كبيرة، مع تجنّب المخاطر الناتجة من ارتفاع التوقعات وترابط الأسواق.
وفي حين يمكن لتنويع المحافظ واستخدام أدوات التحوّط أن يخففا من الخسائر المحتملة، فإنهما لا يضمنان الحماية الكاملة عندما تصبح قطاعات متعددة مرتبطة بمصدر واحد للنمو.
وبذلك، يبقى التحدي الأساسي في تحقيق توازن بين الاستفادة من الفرص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي وتقييم المخاطر المالية المرتبطة به، بعيداً عن افتراض أن استمرار الطفرة الاستثمارية سيؤدي بالضرورة إلى عوائد تتناسب مع حجم الأموال المستثمرة، بحسب الصحيفة.