أثار حجم الدمار الذي أصاب سوريا جراء الحرب الأهلية الجارية منذ أكثر من خمس سنوات، حماسة عدد من رجال الإعمال، وكبرى شركات الإعمار، والمقاولين، وخاصة اللبنانيين منهم، للتقدم بعدة خطط ومشاريع بناء.
وكتب روبرت فيسك المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، أن البنوك اللبنانية هي المؤسسات الوحيدة التي تعرف كيف تفتح اعتمادات لتمويل إعادة إعمار سوريا، ما سيعود عليهم بأرباح كبيرة.
تخطيط
ويقول فيسك إن عدداً من المقاولين اللبنانيين أخذوا يعدون خططاً لإعادة بناء سوريا، التي أودت الحرب فيها بنحو 280 ألف شخص، وربما ترتفع الحصيلة مع تواصل الحرب الأهلية. ولذا ربما يتساءل البعض عن جدوى البحث حالياً في مثل تلك المشاريع. ولكن لا أحد أكثر خبرة في الإعمار من أشخاص استعادوا، وبنجاح كبير، أمجاد عاصمتهم بيروت، بعد حرب أهلية دامت 15 عاماً.
لقاءات
ويلفت الكاتب لاجتماعات يعقدها حالياً كبار مسؤولي القطاع الخاص اللبناني لبحث الكلفة الباهظة لإعادة إعمار سوريا المجاورة. وتقدر مؤسسة استشارية سورية الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الصراع بأكثر من 185 مليار جنيه استرليني، وتتطلب عملية استكمال إعادة البناء ما بين 15 إلى 20 عاماً. ويتساءل: "لماذا الاستعجال بدل الانتظار لحين انتهاء الحرب؟".
ولكن وزير الإقتصاد السابق نقولا نحاس يقول "إن كان جورج مارشال انتظر انتهاء الحرب العالمية الثانية، قبل أن يرسم خطة لإعادة بناء أوروبا، فمن واجب لبنان أن يبدأ منذ اليوم الاستعداد لإعادة إعمار سوريا".
كلمات شجاعة
إنها، برأي فيسك، كلمات شجاعة صدرت عن نقولا نحاس، ولكن زملاءه المتلهفين لتنفيذ المشروع، عبروا عن نفس درجة التفاؤل في مؤتمر لرجال الأعمال عقد في بيروت.
ويلفت الكاتب إلى أن اللبنانيين معروفون بنشاطهم التجاري في الشرق الأوسط، ولا يريدون أن يحرموا من فوائد مشاريع إعادة الإعمار حال توقف القتال، أياً يكن الحاكم في سوريا. وتوجد خطط لرفع قدرات ميناء بيروت الكبير، ونظيره الأصغر في طرابلس، ولإعادة فتح مطار القليعات، في أقصى شمال لبنان.
وهناك في بيروت أيضاً من يروج لمشروع سكة كهربائية من أربع شاحنات تنطلق من ميناء بيروت عبر نفق يخترق جبال نحو ساحة تخزين في البقاع اللبناني، حيث سيحمل الاسمنت والفولاذ من بعلبك، وينقل عبر سلسلة جبال لبنان نحو دمشق، وحمص وحتى حماة.
إصلاح الطرق
ويقول فيسك إن نبيل سكر، محلل تطوير واستثمارات، وكان مستشاراً اقتصادياً لحافظ الأسد، والد بشار، حضر إلى بيروت، لكي يوضح للبنانيين وممثلين عن الأمم المتحدة، بأن الأولوية يجب أن تمنح لإعادة إعمار الطرق السريعة بين حلب ودمشق، وسواها من المدن كمدينتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين.
ولكن يتساءل الكاتب "كيف يمكن مزج الأحلام بالواقع؟" وخاصة بعد هروب ملايين السوريين مع أطفالهم من الحرب، والذين يكبرون حالياً في دول عربية مجاورة، دون مدارس، إلا ما ندر، رغم مساعدات محلية ومن دول الاتحاد الأوروبي. ومن هنا كيف يستطيع فيالق من الشباب السوريين إعادة بناء بلدهم، إن كانوا لا يعرفون القراءة أو الكتابة؟
وصحيح أن الوسط التجاري القديم في دمشق سلم من الدمار، ولكن حلب القديمة ومسجدها الرائع، وكذلك قلب حمص العثماني الطراز، تحولوا إلى أنقاض.
تحف معمارية
ولذا لا بد من معرفة من هم المؤهلين لإعادة بناء التحف المعمارية السورية. وكما يقول فيسك، نجح اللبنانيون في إعادة إعمار بيروت بعد الحرب. وقد استعادوا الطرقات التي بنيت في عهد الانتداب الفرنسي في الثلاثينيات، ولكنهم سمحوا بإزالة ركام الأبنية العثمانية. وبدلاً من الأسواق الشهيرة التي عرفت بها بيروت قديماً، افتتحت على طول شوارع بيروت الحديثة محلات أزياء باريسية وإيطالية، لا يستطيع اقتناء منتجاتها سوى الأثرياء. ولكن الاقتصادي مروان اسكندر يشير لإمكانية الاستفادة من الخبرة اللبنانية في بناء مدارس ومشافي، على مستوى عالمي، في مساعدة السوريين على استعادة بنيتهم التحتية التعليمية والصحية.
ويرى فيسك أن الأهم من تنفيذ جميع مشاريع إعادة إعمار سوريا يكمن في توفير منازل للفقراء، يستطيعون أن يفخروا بها، عوضاً عن بيوتهم القديمة، وأحيائهم العشوائية، والتي ثاروا من أجل التخلص منها.
(إندبندنت – 24)