تعصف المخاوف من نتيجة الاستفتاء المرتقب على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي الاسبوع المقبل، بالمصارف البريطانية والأوروبية التي سجلت أسهمها في البورصة انخفاضات كبيرة هذا الأسبوع، وتضخمت تكلفة التأمين على ديونها. كما اثارت النتيجة غير الواضحة للاستفتاء حالة استنفار في صفوف المصارف المركزية العالمية في وقت وصفه بنك انكلترا المركزي بأنه «أكبر خطر» يواجه الأسواق المالية.
وتزداد خطورة الاستفتاء نظرا لموقع بريطانيا كمركز أوروبي وعالمي للأعمال المصرفية، إذ تتخذ مصارف عالمية كبرى مثل «سوسييتيه جنرال« الفرنسي و«دويتشه بنك« الألماني و«جي.بي مورغان« الأميركي مقرات لأنشطتها الرئيسية في لندن.
ومن أهم المصارف التي ستتضرر إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بنك باركليز البريطاني الذي يتخذ من لندن قاعدة لعملياته في أنحاء أوروبا.
وقال محللون في بنك «غولدمان ساكس« إن الجنيه الإسترليني قد يفقد 11 في المئة من قيمته أمام سلة من العملات الرئيسة إذا اختار البريطانيون الخروج من الاتحاد.
واعلن بنك انكلترا في بيان ان الاستفتاء يشكل «اكبر المخاطر الفورية» على الاسواق المالية البريطانية والعالمية، معلنا ايضا ابقاء نسبة فائدته الرئيسة من دون تغيير على 0,50 في المئة.
وحذر المصرف المركزي البريطاني من ان «التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الاوروبي سيبدل بشكل كبير افاق الانتاج والتضخم وكذلك الاطار» الذي تقررت من خلاله السياسة النقدية، معتبرا ان النمو البريطاني قد يتراجع.
ولفت بنك انكلترا الى انه اذا صوت البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد ستعمد العائلات الى تاجيل نفقاتها الاستهلاكية وكذلك الشركات استثماراتها، ما قد يؤدي الى تراجع الطلب على اليد العاملة وبالتالي ارتفاع البطالة.
وقال انه نظرا للتحركات الاخيرة في اسواق العملات الصعبة «يبدو مرجحا انه في حال خروج بريطانيا، فان معدل صرف الجنيه سيواصل التراجع، وربما بقوة» محذرا من ان الاثر السلبي لاحتمال الخروج من الاتحاد الاوروبي قد تمتد عواقبه الى الاقتصاد العالمي.
وفي مثل هذه الاجواء سيكون مسار النمو «اضعف بكثير» لكن التضخم «سيكون ايضا اكثر ارتفاعا». وهذا من شانه تعقيد مهمة البنك المركزي الذي يعتبر انه سيكون مرغما على الاختيار بين التحرك لتهدئة اسعار الاستهلاك من جهة او دعم الانتاجية والوظائف من جهة اخرى.
وكانت رئيسة الاحتياط الفيدرالي الاميركي جانيت يلين اعتبرت يوم الاربعاء، ان مغادرة بريطانيا الاتحاد الاوروبي يمكن «ان تكون لها آثار اقتصادية ومالية على مستوى العالم». وكان الاستفتاء البريطاني احد العوامل التي دفعت الاحتياط الاميركي الى عدم تغيير نسبة الفائدة الاربعاء.
كما ابقى بنك اليابان سياسته النقدية من دون تغيير رغم ارتفاع الين أخيرا ما يؤثر سلبا على اكبر ثالث اقتصاد في العالم.
وذكر المصرف المركزي الاوروبي بانه سيتصرف «مستخدما الادوات التي بتصرفه» في حال تجسد المخاطر بشان استقرار الاسعار وبينها بالخصوص مغادرة بريطانيا الاتحاد الاوروبي.
وحذر صندوق النقد الدولي من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يؤدي إلى مرحلة «ضبابية» و»تقلبات» ويسبب تباطؤا في النمو الاقتصادي.
وأكد الناطق باسم صندوق النقد الدولي غيري رايس أن «تصويتا على الخروج من الاتحاد الأوروبي سيفتح الباب على مرحلة ضبابية كبيرة، وتقلبات في الأسواق المالية، وتباطؤا في النمو، فيما ستتفاوض بريطانيا على علاقتها الجديدة مع الاتحاد الأوروبي».
وحذر رئيس البنك الوطني السويسري طوماس جوردن من انه حين يجري البريطانيون الاستفتاء «ليس مستبعدا ان تتضاعف الاضطرابات».
في المقابل، حذر رئيس مجموعة اليورو (مجلس وزراء المالية) الهولندي يورين ديسلبلوم ان منطقة اليورو «قادرة على مواجهة» خروج محتمل لبريطانيا من الاتحاد الاوروبي. وقال المسؤول الاوروبي في مؤتمر صحافي «لدينا القدرة على مواجهة اي صدمة يمكن ان تحدث». اضاف «نحن في وضع افضل بكثير مما كنا قبل سنوات قليلة» معتبرا انه «لا يوجد سبب لتغيير السياسات».
وتابع ديسلبلوم وهو يتولى ايضا منصب وزير الاقتصاد في هولندا «نحن نتابع (الوضع في المملكة المتحدة) عن كثب ونؤمن بحكمة شعب بريطانيا».
من جهته، اعتبر نظيره الاسباني لويس دو غيندوس ان خروج بريطانيا من الاتحاد «ستكون له آثار سلبية على الاقتصاد البريطاني ولكن ايضا على الاقتصاد في اوروبا القارية». اضاف «يجب العمل على ان يصوت الناخبون البريطانيون بعقولهم».
اما وزير الاقتصاد الفرنسي ميشال سابان فقد اكد ان «مغادرة بريطانيا الاتحاد الاوروبي (..) يمثل صعوبة لاوروبا لكنه سيمثل قبل ذلك ماساة لبريطانيا».
اضطرابات
في اسواق المال
وقال الخبير الاقتصادي كارستن بريزسكي «من الواضح ان الاستفتاء والاضطرابات الحالية في الاسواق تزيد من تعقيدات اوضاع المصارف المركزية».
ومنذ سنوات، تبذل المصارف المركزية جهودا في ضخ مبالغ هائلة من السيولة في الاسواق وخفض نسب الفوائد، دعما للاقتصاد العالمي الهش منذ الازمة المالية عام 2008 ولاعادة الانتعاش. لكن النتائج متباينة.
وليس من شان احتمال مغادرة بريطانيا الاتحاد الاوروبي والتوترات في الاسواق وسط مناخ من تباطؤ النمو العالمي والنزاعات الجيوسياسية، ان تساعد على تجاوز الوضع.
ومع ميل البريطانيين وفق آخر استطلاعات الرأي اكثر الى مغادرة الاتحاد الاوروبي، تراجعت بورصات فرنكفورت وباريس ولندن باكثر من 3 في المئة منذ الاثنين.
كما تراجعت نسبة الفائدة على القرض الالماني لفترة عشر سنوات، الى ما تحت الصفر هذا الاسبوع، ما يؤشر الى الاقبال عليه باعتباره استثمارا مضمونا.
وقال بريزسكي «ستشهد الاسواق مجددا حالة من الاهتزاز، يمكن ان نشهد انهيارا في قيمة الاسهم واليورو، وهروبا للرساميل باتجاه الملاذات الآمنة وربما تشديدا لشروط التمويل في بعض دول منطقة اليورو». واكد ان مغادرة بريطانيا الاتحاد الاوروبي حدث «يمكن بالتاكيد ان يزعزع الاقتصاد الاوروبي».
تحركات نقدية جديدة؟
وازاء هذه المخاطر، طلب المصرف المركزي الاوروبي بالخصوص ان يطلع على استعدادات المصارف الاوروبية ازاء خروج محتمل لبريطانيا ويريد التاكد من ان النظام المصرفي جاهز للتصدي لـ«رياح معاكسة» يمكن ان تهب، بحسب ما افاد رئيسه.
لكن بحسب الخبير الاقتصادي بين ماي «اذا قررت المملكة المتحدة التصويت مع مغادرة الاتحاد الاوروبي، فقد يحتاج الامر الى اسابيع عدة قبل ان تكون المصارف المركزية الكبرى قادرة على رسم صورة واضحة لانعكاسات هذا الامر». وقال ان الانعكاسات الاقتصادية يمكن ان تكون محدودة اكثر مما يخشى بعض المراقبين. واوضح ان «الكثير من الامور ستكون رهينة ردود فعل الاسواق في حال فوز انصار مغادرة بريطانيا. واذا كانت ردود الفعل بلا خطورة، فسيكون حينها بامكان المصارف المركزية متابعة سياساتها الحالية وسط اجواء مريحة».
لكن في حال حدثت اضطرابات شديدة، فان «مصرف اليابان سيزيد على الارجح من اجراءاته الخاصة بالليونة النقدية»، بحسب كريستيان فون بيرغ.
اما الاحتياط الاميركي، فقد يجد من الافضل تاجيل رفع نسب فوائده الرئيسية، بحسب بريزسكي.
واضاف المحلل انه بالنسبة للمصرف المركزي الاوروبي الذي يتدخل مباشرة في الاسواق المالية، سيكون الاسبوع المقبل «متوترا جدا» سواء غادرت بريطانيا الاتحاد الاوروبي او بقيت في التكتل.
وذكرت «وول ستريت جورنال« في تقرير أن المؤشر العام لأسهم المؤسسات المالية الكبرى في بريطانيا وأوروبا انخفض هذا الأسبوع إلى أدنى مستوياته منذ اضطراب الأسواق العالمية في شباط الماضي. وأضافت أن تكلفة التأمين على ديون المصارف ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ خمسة أشهر.
واوضحت الصحيفة أن هذه الانخفاضات جاءت بعدما أظهرت استطلاعات الرأي أن معسكر البريطانيين الراغبين في الخروج من الاتحاد الأوروبي يتقدم ببضع نقاط مئوية على أولئك الذين يفضلون البقاء في الاتحاد، وذلك مع اقتراب الاستفتاء الذي سيعقد الخميس المقبل.
وكان استطلاع «ايبسوس-موري» الشهري اظهر للمرة الاولى تقدم معسكر الخروج بـ53 في المئة في مقابل 47 في المئة، بينما اظهر استطلاع معهد «سورفيشن» ان مؤيدي الخروج يتقدمون بـ52 في المئة مقابل 48 في المئة يفضلون بقاء البلاد في اوروبا.
وقالت صحيفة «ايفنينغ ستاندرد» التي نشرت الاستطلاع ان «تغير الوضع يشكل امرا مثيرا للاستغراب».
لكن الصحيفة اشارت الى ان «20 في المئة من الذين استطلعت آراؤهم قالوا انهم يمكن ان يغيروا رأيهم». كما ان استطلاع «سورفيشن» شمل 13 في المئة من المترددين.