ما زالت نتائج تصويت البريطانيين لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي تتفاعل، خصوصاً الاقتصادية منها، وما زالت التحليلات والتقارير تتضارب حول ما إذا كان القرار يخدم اقتصاد المملكة، أو يضعه على سكة الانهيار. ولكن المؤكد أن بريطانيا باتت خارج الاتحاد الأوروبي، وعليها رسم خطط دقيقة وموضوعية للتعامل مع النتائج، بما يحفظ اقتصادها.
وتساهم بريطانيا بنحو 14.8 في المئة من إجمالي اقتصاد الاتحاد الأوروبي، كما تمثل صادراتها 19.4 في المئة من إجمالي الصادرات، في حين تصل مساهمتها السنوية في الاتحاد إلى نحو 18 بليون جنيه إسترليني (24.2 بليون دولار). وتعتبر بريطانيا خامس أكبر اقتصاد عالمي، والثاني في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا، ويصل ناتجها المحلي إلى نحو 2.7 تريليون دولار.
ورأى محللون أيدوا الخروج، أن اقتصاد بريطانيا سيكون أفضل حالاً خارج الاتحاد، خصوصاً إذا نجحت المملكة في عقد اتفاقات للتجارة الحرة مع أسواق ناشئة، بينها الهند والصين، إلى جانب اتفاقات مع دول خارج الاتحاد تشهد نمواً، مثل الولايات المتحدة، ما سيضيف نحو 1.6 بليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي، ويشكل فرصة لإيجاد نحو مليون فرصة عمل جديدة. ويمكن لبريطانيا توقيع عقود تجارية مع دول الاتحاد الأوروبي، كما فعلت النروج، تتيح لها دخول هذه الأسواق من دون تطبيق الشروط الأوروبية.
ويدافع مؤيدو الخروج عن قرارهم بالقول إن بريطانيا تتحمّل أعباءً مالية كبيرة تبلغ 5.5 بليون دولار سنوياً، تحديداً في قطاعي الصحة والتعليم، بعدما وصل عدد المهاجرين غير الشرعيين فيها إلى نحو 863 ألفاً، في ظل عدم الأخذ بمطالبها بضرورة تطبيق آلية واضحة وصارمة للتحكّم بحركة المهاجرين. ويسعى هؤلاء إلى تخفيف ضغوط الهجرة من دول أفقر نسبياً انضمت إلى الاتحاد، مثل رومانيا وبولونيا وغيرها.
واعتبر «بنك باركليز» في تقرير أن «الاتحاد الأوروبي يعتمد اقتصادياً على 3 ركائز أساسية، وهي بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وأي اختلال في هذه الركائز ستكون له تداعيات وخيمة على اقتصادات الدول الأوروبية، ولذلك، فإن خروج الاقتصاد البريطاني سيؤثر سلباً في موارد الاتحاد المالية، وسيشجع الحركات الانفصالية في بلدان أخرى، ما قد يجعل بريطانيا ملاذاً آمناً من أخطار انهيار الاتحاد، ومركز جذب للمستثمرين».
وفي المقلب الآخر، تشير التقديرات إلى أن خسائر بريطانيا نتيجة خروجها من الاتحاد الأوروبي ستبلغ نحو 220 بليون جنيه إسترليني. وهنا يجب الفصل بين التداعيات القصيرة المدى، وتلك التي ستطاول بريطانيا على المدى الطويل. وفي التداعيات الأولى لخيار الخروج، خسر الإسترليني نحو 12 في المئة من قيمته أمام الدولار، و8 في المئة أمام اليورو، ليسجل أدنى مستوياته منذ أكثر من 30 سنة، كما انهارت أسواق المال الأوروبية، خصوصاً بورصة لندن التي خسرت 7 في المئة من قيمتها.
ودافع مؤيدو خيار البقاء عن خيارهم بالقول إن الخروج سيحمل تداعيات اقتصادية كبيرة على المملكة، من بينها تراجع الاستثمارات الأوروبية التي تقدر قيمتها بنحو 700 بليون جنيه، والتي تشكل أكثر من 50 في المئة من إجمالي الاستثمارات المباشرة. وستفقد بريطانيا ميزة الحصول على تسهيلات ائتمانية بسعر فائدة قريب من الصفر، إضافة إلى ميزات التبادل التجاري مع دول الاتحاد. وقد تتمثل الضربة الأكبر للاقتصاد البريطاني في خسارة حرية تنقل السلع ورؤوس الأموال والأفراد داخل الاتحاد الأوروبي، ما يشكل تحدياً كبيراً للقطاع التجاري، إذ أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر للمملكة، كما سيهدد الصادرات التي ستكون رهن تشريعات جديدة، وستضطر بريطانيا إلى التفاوض مجدداً مع بروكسيل ودول أخرى على اتفاقات جديدة بكلفة باهظة.
أما وكالات التصنيف العالمية، فخفض بعضها تصنيف بريطانيا الائتماني الممتاز، ما سيؤدي إلى ارتفاع كلفة الاقتراض، كما أن فترة الضبابية التي قد تطول، ستقلص تدفق الاستثمارات والثقة، بما يضغط على آفاق النمو الذي قد يشهد تراجعاً كبيراً، ما يعني تراجع دخل الأسرة البريطانية بمقدار 4 آلاف جنيه سنوياً، وأسعار المنازل بنحو 10 في المئة. وسيدفع خروج بريطانيا من الاتحاد الشركات والمؤسسات المالية التي كانت تستثمر في بريطانيا للوصول إلى الأسواق الأوروبية، إلى نقل مقراتها إلى خارج المملكة، ما يهدد بخسارة أكثر من 500 ألف وظيفة.
ويُرجّح أن تكون ألمانيا أكبر الخاسرين من قرار خروج بريطانيا، خصوصاً أن قيمة الصادرات الألمانية إلى المملكة بلغت عام 2015 مستوى قياسياً عند 90 بليون يورو، كما يستفيد نحو 130 ألف ألماني يعيشون في بريطانيا، من التسهيلات التي يوفرها لهم الانضمام إلى دول الاتحاد الأوروبي. وتوجد في ألمانيا نحو 2500 شركة لها فروع في بريطانيا، كما يوجد في المملكة المتحدة نحو 3 آلاف شركة لها فروع في ألمانيا.
خيار ترك الاتحاد الأوروبي قد يُضرّ بريطانيا أو يفيدها، وذلك مرهون بمعطيات كثيرة ومتغيرة، وبالسياسات التي ستُعتمد، ولكن الأكيد أن أوروبا الموحدة هي الخاسر الأول.
أيمن هلال - (الحياة)