تحولت التسليفات المصرفية للقطاعات الاقتصادية والأفراد منذ فترة إلى المحرك الساسي للنمو الاقتصادي في ظل تمدد الأزمات من جهة، وفي ظل تردي المؤشرات الاقتصادية الأخرى، لا سيما في القطاعات التي تشكل أساس النمو، من النشاط السياحي الذي تراجع تراجعا قياسيا، إلى تحويلات الاستثمارات والتوظيفات والمشاريع الجديدة باتجاه لبنان من جهة ثانية، في ظل تراجع المؤشرات والحركة الســياحية المتوقفة وحركة الرساميل الخارجية والاستتثمارات العربية المتراجعة أو شبه المتوقفة. بما في ذلك تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج (من دول الخليج ومنطقة افريقيا)، وهي تأثرت بفعل الأزمات التي تغزو المناطق وانعكاساتها على لبنان. واذا تم احتساب المقترضين بواقع أن نصفهم من العائلات يتضح ان ثلث الشعب اللبناني يقع في دائرة الاقتراض بين الافراد والقطاعات. وما زالت حصة الزراعة هزيلة تتروح بين 1.2 و2 في المئة بينما الصناعة تجهد لتتخطى 10 في المئة من قيمة القروض لحوالي 3 في المئة من المستفيدين والمقترضين.
في هذا الوقت، بدأ موضوع الديون التجارية المشكوك بتحصيلها يأخذ خيزاً من الاهتمام الرسمي والمصرفي على الرغم من قلته مقارنة مع حجم التسليفات للقطاعات الاقتصادية. فقد بلغ حجم القروض التجارية المشكوك بتحصيلها على الرغم من محاولات المصارف تطبيق التسهيلات والتسويات، حوالي 3.7 مليارات دولار مقابل ضمانات متخذة لهذه الديون تغطي حوالي المليار ونصف المليار دولار. وهذه الديون تجري معالجتها منذ سنوات، سواء بالتسويات المباشرة أو بإعادة برمجة هذه الديون المتراكمة، لكن الرقم ما زال مستقراً، ما يؤشر إلى وجود بعض الديون التي تعتبر رديئة بفعل الظروف الاقتصادية للمؤسسات.
ويفترض، حسب توقف نشاط المصارف العاملة في سوريا، أن تزيد الديون المشكوك بتحصيلها بعض الشيء نتيجة تراجع أو توقف التسديد بالنسبة للتسليفات في سوريا لحدود الصفر، ما دفع المصارف اللبنانية العاملة في سوريا إلى تكوين مؤونات في ميزانياتها المجمعة بحوالي 400 إلى 500 مليون دولار لتغطية مخاطر التسليفات في سوريا منذ اندلاع الحرب السورية التي تزداد تعقيداً من الناحيتين الاقتصادية والمالية والاجتماعية.
بالعودة إلى النشاط المالي والمصرفي خاصة، فإن التسليفات المصرفية للقطاعات تأثرت بدورها نتيجة ضمور الحركة الاقتصادية، لكنها بقيت المحرك شبه الأساسي لمعظم القطاعات التي تستند الى حركة التسليف والمبادلات والتي تأثرت بفعل تراجع الصادرات الصناعية والزراعية اللبنانية تراجعا قياسيا خلال الشهر الماضية بفعل انعكاسات التطورات في سوريا، خصوصاً لأن الصادرات اللبنانية كانت تركز على التصدير البري تخفيفاً لكلفة التصدير الجوي والبحري، الاعلى كلفة من البر بالنسبة إلى الصادرات اللبنانية.
تبقى إشارة أساسية إلى الانعكاسات الكبيرة على القضية الاجتماعية وفرص العمل، ناهيك عن الانعكاسات على القطاعات الانتاجية والخدماتية. وهذا الأمر ينعكس على ارتفاع قيمة الديون المشكوك بتحصيلها مقارنة مع السنوات القليلة الماضية بفعل عجز المؤسسات والقطاعات عن تسديد متوجباتها، ما يجعل المصارف تكوّن مؤونات لتغطية هذه الديون المشكوك بتحصيلها برغم تسهيلات مصرف لبنان والقروض المدعومة الفوائد التي أطلقها مصرف لبنان.
بلغت قيمة القروض المصرفية والتسليفات للقطاعات الاقتصادية والفردية حتى الفصل الأول من العام 2016 ما مجموعه حوالي 93211 مليار ليرة، أي ما يوازي حوالي 62.2 مليار دولار بزيادة ملحوظة لبعض القطاعات على حساب قطاعات أخرى خلال الفصل الأول من السنة الحالية.
التسليفات وتوزعها على القطاعات
1 ـ بلغ عدد المستفيدين من القروض والتسليفات حوالي 674 الفاً و348 مقترضاً بمتوسط قرض قيمته حوالي 138 مليون ليرة مع اختلاف معدل السلفة من قطاع إلى آخر.
وفي توزع التسليفات على القطاعات يتضح أن أن المقاولات والبناء ما زالت تتمتع بأعلى قيمة في متوسط القرض، بينما تعاني القطاعات الانتاجية من قلة قيمة معدلات السلفة، لا سيما في القطاعين الصناعي والزراعي قياسا على الخدمات والمقاولات والتجارة.
فقد شكلت حصة الصناعة من القروض والتسليفات ما مجموعه حوالي 9525 مليار ليرة، وهي تشكل حوالي 10.1 في المئة من قيمة القروض، فيما بلغ عدد المستــفيدين حوالي 19356 مستفيداً، بما نسبته 2.8 في المئة من عدد المستــفيدين. وبلــغ متوســط القرض الصناعي حوالي 492 مليون ليرة. وكانت نسبة الزيادة لهذه القروض خــلال الفــترة من العام 2016 مقارنة بالعام 2015 حوالي 0.55 في المئــة، مع الاشــارة إلى ان قيمــة القروض الصناعية تشكل 2.87 في المئة من إجمالي القروض والتسليفات للقطاعات.
2 ـ بلغت قيمة التسليفات الفردية ما مجموعه حوالي 27 الفاً و435 مليار ليرة لحوالي 569 الفاً و838 مستفيداً، بمتوسط قرض قيمته حوالي 48 مليون ليرة. ويشكل هؤلاء حوالي 29.43 في المئة من قيمة القروض، بينما يشكلون حوالي 84.5 في المئة من إجمالي المقترضين. وهذا يعــني أن القطــاع المصرفي ما زال بعيداً عن تنشيط القطاعات الاقتصادية ويفضل القروض الاستهلاكية على الإنتاجية كونها أسرع وأكثر مردوداً من حيث الفوائد وسلامة التوظيفات وأقل مخاطر من القروض الانتاجية في القطاعات الاقتصادية.
3 ـ تبلغ قيمة القروض السكنية حوالي 16602.2 مليار ليرة لحوالي 11 ألفاً و556 شخصاً بمتوسط قرض قيمته حوالي 150 إلى 149 مليون ليرة، وتشكل هذه القروض من حيث القيمة حوالي 19.5 في المئة من عدد المقترضين بزيادة حوالي 669 قرضاً خلال الفترة بين كانون الثاني وبداية الفصل الأول من السنة.
4 ـ بلغ حجم القروض التجارية حوالي 30.718 مليار ليرة لحوالي 71302 مقترض بمتوسط قرض قيمته حوالي 434 مليون ليرة. في حين ان قروض البناء والمقاولات تعتبر الأعلى من حيث القيمة حيث يبلغ متوسط القرض 1739 مليون ليرة، وهذا يؤشر الى حجم المشاريع التي تحتاج التمويل، أما عدد المستفيدين من القروض في قطاع المقاولات والبناء فيبلغ حوالي 9429 مستفيداً وهي من المجموعات الأقل عدداً والأكثر استفادة من التسليفات والقروض المصرفية، لكن هذه القروض شهدت مؤخراً بعض التراجع نتيجة تراجع الحركة العقارية عامة نتيجة تراجع الحركة العربية والخليجية في لبنان، ما أثر جموداً وتراجعاً في الحركة العقارية وكذلك تراجع جزئي لبعض الاسعار في بعض المناطق.
5 ـ بلغت قروض شركات الوساطة المالية ما مجموعه حوالي 5515.3 مليار ليرة لحوالي 4253 مقترضا، بمتوسط قرض قيمته حوالي 1357 مليون ليرة، وهي من بين أعلى معدلات القروض للنشاطات الاقتصادية والقطاعات.
في الخلاصة ان تراجع النشاط الاقتصادي ينعكس مباشرة على الوضع الاجتماعي والمعيشي نتيجة انعكاسه على تقلص فرص العمل ونمو البطالة في ظل تراجع المشاريع والاستثمارات الجديدة، ناهيك عن انعكاس حركة النزوح السوري على فرص العمل الداخلية ومنافسة اليد العاملة اللبنانية بفعل الأزمة الاجتماعية الزاحفة بقوة إلى مختلف أو أكثر القطاعات، مع تدهور القدرة الشرائية للأجر وعدم قدرة وزارة العمل على التدخل لحماية اليد العاملة اللبنانية في ظل الفوضى الأمنية والتنظيمية التي تسود لبنان والمنطقة.
(عدنان الحاج - السفير)