بين العام 1997 بداية انطلاقة القروض المدعومة والعام 2016 ركّزت سياسات التسليفات المعتمدة من مصرف لبنان، بالتعاون مع القطاع المصرفي اللبناني، على تحريك النمو، من خلال التسليفات لبعض القطاعات الإنتاجية والحرفية، حتى تحوّلت حركة التسليف منذ العام 2014 حتى العام الحالي الخطوة الأولى لعملية النمو في التسليف الاقتصادي على طريق تسهيل الاقتراض لمختلف القطاعات. وقد ترافقت الخطوة مع حوافز مختلفة تظهر الجانب الاجتماعي لسياسة مصرف لبنان، إلى جانب سياسته النقدية بالحفاظ على الاستقرار النقدي، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وحركة الاستثمارات المحفّزة للنمو.
المهم في العملية أن القروض المدعومة طاولت قطاعات أساسية وفي مختلف المجالات، فاستفاد منها القطاع الزراعي والقطاع الصناعي والسياحة وقطاع السكن ورأس المال التشغيلي وغيرهما من القروض والتسليفات المحفّزة للنمو المتراجع بشكل كبير خلال السنتين الأخيرتين، بفعل التردي الأمني في المنطقة المحيطة بلبنان، انطلاقاً من الوضع السوري الذي أقفل الأسواق العربية بشكل كبير على الصادرات اللبنانية من صناعية وزراعية.
فقد بلغ عدد المستفيدين من القروض المدعومة بالليرة منذ العام 1997 وحتى نهاية العام 2015 ما مجموعه حوالي 10 آلاف مليار ليرة استفاد منها أكثر من 17 الف مقترض في القطاعات المختلفة. كما سهّل مصرف لبنان استخدام الاحتياطي الإلزامي للمصارف لتمويل قروض الإسكان.
وتفيد المعلومات بأن الحوافز الأخيرة التي قدّمها مصرف لبنان ذهب القسم الأكبر منها للقروض السكنية للشباب، إضافة إلى القروض التعليمية والجامعية والطاقة الصديقة للبيئة وغيرها من القروض المسهّلة لعمليات النمو الاقتصادي بالقروض المدعومة أو المحسومة من الاحتياطي في محاولة لتنشيط الاقتصاد.
ومع هذه التسهيلات التي قدّمها مصرف لبنان بالتعاون مع القطاع المصرفي، فإن النمو الاقتصادي ما زال ضعيفاً ولا يتحقق إلا بنسبة وحجم التمويل الذي يساهم بحوالي واحد أو 1.5 في المئة من حجم الاقتصاد.
ويكفي التذكير بعدد من المؤشرات الأساسية التي تواصل تراجعها في رعاية الفراغ في السلطة والمؤسسات للتدليل على مسار التراجع الذي يغزو القطاعات بشكل عام ومنها مالية الدولة التي تعاني الفراغ وغياب المسؤوليات.
فانطلاقاً من وضع عجز الكهرباء البالغ أكثر من 2000 مليار ليرة، وعلى الرغم من تراجع أسعار المحروقات التي تشكّل أكثر من 82 في المئة على 84 في المئة من موازنة الكهرباء ونفقاتها، فإن العجز ما زال نجم المرحلة حتى في القطاعات التي تشهد تحسناً لأسباب تلقائية وخارجية من دون أي مجهود من المسؤولين في لبنان.
أما بالنسبة إلى النشاط السياحي الذي يساهم، مع حركة الاستثمارات والتوظيفات، في نمو الناتج المحلي، فإن التحويلات والاستثمارات المتعلقة به تتراجع بشكل دائم حتى لا نقول إنها شبه معدومة النمو. فحركة الرساميل الوافدة تراجعت مع تراجع التحويلات الخارجية ومنها تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج التي تتأثر بالتطورات الحاصلة في المنطقة وتتراجع إنتاجيتها وفرص عملها في الخارج كما في الداخل، حيث يرتفع نمو البطالة على حساب تراجع منسوب فرص العمل.
وعلى سبيل المثال، فقد سجّلت الحركة السياحية نمواً بسيطاً بلغ 5.2 في المئة تبعاً لحركة السفر إلى لبنان والتي تقوم على اللبنانيين الوافدين خلال الصيف في غياب العرب والخليجيين الذين باستطاعتهم التأسيس لحركة سياحية تؤمن بعض النمو في مثلث النمو من سياحة وتحويلات ونشاط تجاري وتسويق للمنتجات اللبنانية.
أما المؤشر الأبرز في هذا المجال، فيبقى ميزان المدفوعات الذي يعبّر أو يؤشر إلى حركة الرساميل والاستثمارات ويشكّل الفارق بين حجم الأموال الخارجة من لبنان والداخلة إليه، والذي سجّل عجزاً قياسياً بلغ حوالي 1761 مليون دولار، مقابل حوالي 525 مليون دولار للفترة ذاتها من العام 2015 أي بنمو ملحوظ بلغ حوالي 235 في المئة. وهذه نسبة قياسية مقارنة مع السنوات الماضية التي سجلت عجزاً متراكماً وبمعدلات كبيرة. إذ نتج هذا العجز عن ارتفاع عجز الميزان التجاري بنسبة حوالي 16 في المئة والذي بلغ حوالي 6754 مليون دولار خلال أقل من ستة أشهر مقابل حوالي 5827 مليون دولار للفترة ذاتها من العام 2015.
على صعيد العقارات، فقد تحسّنت قيمة المبيعات بنسبة 15 في المئة تقريباً خلال الفترة ذاتها من العام 2016 بسبب الطلب على العقارات الصغيرة والمتوسطة، وبفعل تنشيط حركة القروض العقارية والسكنية للشباب من قبل المصارف ومؤسسة الإسكان.
ويبقى الثابت في هذه المرحلة غياب الحدود الدنيا من الحوار الاقتصادي والاجتماعي بين العمال وبين اصحاب العمل والدولة التي تشكل أكبر صاحب عمل في لبنان، في حين تزيد أرقام نمو المديونية العامة أكثر من خمسة في المئة خلال الأشهر الماضية لتتخطى أرقام الدين حوالي 72 مليار دولار مقابل حوالي 69.5 مليار دولار للعام الماضي، ناهيك عن عجز الموازنة الذي زاد 5.9 في المئة.
(عدنان الحاج - السفير)