كشفت دراسة نشرها اتحاد المصارف العربية، حول تحويلات العاملين في الخارج من الدول العربية وإليها، عن انخفاض تحويلات المغتربين إلى لبنان في خلال العامين الماضيين، علماً أن لبنان لا يزال في المرتبة الثانية من حيث أعلى نسبة تحويلات من المغتربين في العالم العربي بعد مصر.
نسب الانخفاض تبدو طفيفة، إلا أنها تحتمل، في الإطار اللبناني، تبعات قد تشكّل خطراً على دخل الأسر وقدرتها على الاستهلاك. فبحسب الدراسة، شهدت تحويلات المغتربين، في خلال عام 2015، انخفاضاً بنسبة 3.3% إلى 7.3 مليارات دولار، بعد أن كانت قد وصلت إلى 7.5 مليارات دولار في عام 2014، وهو العام الذي سجل انخفاضاً بنسبة 8.4%.
أشارت الدراسة إلى "وجود ترابط إيجابي طفيف (أحياناً سلبي) بين التحويلات والاستثمار"، ما قد يكون دلالة على أنه "لا تُوجَّه التحويلات التي تصل إلى تلك البلاد، ومنها لبنان، نحو استثمارات منتجة". إضافةً إلى ذلك، وجدت الدراسة "ترابطاً إيجابياً وقوياً بين التحويلات، وكل من التضخم والواردات"، ما يعني أن "هذه التحويلات تستخدم أساساً في الاستهلاك (ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار)، وبشكل أكثر تحديداً في استهلاك السلع المستوردة (ما يؤدي إلى زيادة الاستيراد)". وأضافت الدراسة أنّ "للتحويلات أثراً عميقاً في الاستقرار الاقتصادي الجزئي والكلي بالنسبة إلى الدول المصدّرة للعمالة". إذ إنه في عام 2015، بحسب الدراسة، "شكّلت تلك التحويلات 17% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، و16% في لبنان، و10% في الأردن". وأضاءت الدراسة على أسباب انحصار فعالية هذه التحويلات بالاستهلاك، ومنها: غياب الاستراتيجيات الوطنية لاستخدام تلك التحويلات في التنمية، الضعف النسبي للبنية التحتية المالية المرتبطة بالتحويلات، والنقص في المعلومات حول حجمها الفعلي. لذلك، إن انخفاضها مضرٌّ للأسر التي تعتمد عليها، وإن بقيت السيولة في القطاع المصرفي كبيرة.
يشدد رئيس قسم الأبحاث في بنك "عوده"، مروان بركات، في حديثه مع "الأخبار" على أنه لا يتوقع حدوث أزمة قريبة. لا يؤكد بركات صحة التقديرات حول انخفاض تحويلات المغتربين، "لغياب الدقة في الأرقام"»، لكنه يشير إلى أنه في خلال العام الماضي انخفضت التدفقات المالية إلى لبنان بنسبة 25%، ولكنها عادت وارتفعت 14% في الربع الأول من عام 2016. ومع أن بركات لا يرى ذلك "تعويضاً" إلا أنها، بحسب كلامه، بمثابة دلالة على أنه لا يوجد أزمة قريبة. الجدير بالإشارة أن هذا المؤشر لا يكشف شيئاً مباشراً عن طبيعة التبدلات في نسب تحويلات المغتربين، فالتدفقات المالية تتضمن ودائع واستثمارات مباشرة أجنبية واستثمارات في السندات والأسهم، إضافةً إلى القروض الخارجية وغيرها. لذا لا يمكن الاستدلال من خلال هذا المؤشر على ما يحدث في التحويلات تحديداً. ولم يدّع بركات ذلك بطبيعة الحال، بل انطلق من هذه النقطة إلى اعتبار التفاوتات عامةً متعلقة بانخفاض أسعار النفط، مشيراً إلى أن نمو الودائع انخفض في الخليج من 11.5% سنوياً عام 2013 إلى 3% عام 2015، وتزامن ذلك مع انخفاض في المؤشر نفسه في لبنان من 9% إلى 5%. ورأى بركات أنه فيما تأتي "55% من التحويلات من دول الخليج"، إلّا أن "ما يحدث هناك ليس ركوداً، بل تباطؤ مؤقت بدأوا بمعالجته"، ولذلك رأى بركات أنه لا يلوح في الأفق خطر على وظائف اللبنانيين في الخليج.
وشبّه بركات تحويلات المغتربين بالنسبة إلى لبنان بالنفط للخليج. ولعل المقارنة تصلح من المنطلق الذي أراده بركات، أي إن تحويلات المغتربين للبنان هي الركن الأساسي الذي يحرّك الاقتصاد، ولكنّها تصلح أيضاً في الإشارة إلى الغموض الذي يخيّم على الأرقام المتعلقة بها، وتفاوت بل وحتى تضارب المعلومات التي تنشر حولها من مختلف المؤسسات المعنية.
مصادر في مصرف لبنان أكدت لـ"الأخبار" أنه التحويلات هي فعلاً في انخفاض، وأن ذلك ينطبق أيضاً على النصف الأول من العام الجاري.
في الإطار نفسه، استبعد وزير المال السابق، الباحث جورج قرم، أن تنخفض تحويلات المغتربين جذرياً. وأضاف قرم أن "المصارف مليئة بالسيولة"، وأن المغتربين الأغنياء سيستمرون في وضع أموالهم في المصارف اللبنانية لارتفاع الفوائد وغياب التدقيق مقارنة ببلاد أخرى. لكن المسألة قد لا تكون بهذه البساطة، إذ إن السيولة هذه، ومن ضمنها التحويلات في أغلبها، لا تستثمر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. لذلك، وجود هذه السيولة الهائلة لا يحمي الناس من خطر تدهور قدراتها الاستهلاكية إذا استمرّت تحويلات المغتربين إلى البلاد في الانخفاض.
(ناصر الأمين - الأخبار)