يبدو ان ديناميكية الـ Fatca وما يدور في فلكها من محاولات للجم المتهربين من الضرائب، لها دوافع اخرى قد لا تبدو واضحة للوهلة الاولى.
قد تكون سياسة الـ Fatca وما تولده من تكاليف باهظة للحكومة الاميركية والمصارف حول العالم مقارنة بنسبة العجز في الناتج القومي الاميركي الاجمالي ضئيلة جدا.
حسب تقديرات المحللين، تدرّ الـ Fatca على الخزينة الاميركية حوالي ٩٠٠ مليون دولار مقارنة بما مقداره ٤٣٨ مليار دولار عجز الناتج. والسؤال الذي يطرح نفسه ما هي دوافع الحكومة الاميركية وما هو الغرض الحقيقي من وراء الـFatca؟
يبدو ولغاية الآن، ان الغرض الحقيقي ليس في جمع الأموال انما تمهيد الطريق لشيء اخر هو اكبر بالفعل من الـ Fatca وما يُسمّى الآن بالـ Gatca.
وعلى ما يبدو وضعت قوانينها صورة طبق الاصل عن الـ Fatca ، ومن المرجح ان تصبح الـ Gatca حقيقة لا رجعة فيها في وقت ليس ببعيد. كما من المحتمل جدا ان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي ومجموعة الـ ٢٠ سوف تعاقب فعليا جميع البلدان التي لا تمتثل لهذه القوانين. وقد تكون العقوبات صعبة على العديد من الدول ولا يمكنها تحمّل تداعياتها، وعليهم في الواقع نسيان ما يسمّى التجارة الدولية نظرا الى ما ينتج عن هذه العقوبات.
التحذير الذي اتى من العديد من المحللين الدوليين أنه اذا كنت تعتقد ان الـFatca أمر صعب فإن موجات جديدة من الاتفاقيات تحت شعار الـ Gatca سوف تكون اسوأ بكثير، سيما وان الـ Fatca لفتت انظار السلطات الضريبية في البلدان الاخرى لمواجهة التهرب من دفع الضرائب فأصدرت هذه الدول قوانين خاصة بها.
ومن الناحية التقنية الـ CRS (common reporting standards) أوالـGatca هي نسخة عالمية لـ Fatca تهدف الى تعزيز الاجراءات الضريبية والحسابات المالية وتسهل تبادل البيانات بين الدول على نطاق عالمي بمعنى ان الهدف اساسا يشبه Fatca بما معناه «معايير الابلاغ الموحد»، والتزام تبادل المعلومات تلقائيا من اجل نظام ضريبي دولي اكثر شفافية.
السؤال الاهم حاليا، كيف سيتم التعامل مع Fatca و CRS و Gatca سيما وان المسألة اصبحت اكثر الحاحا مع اشارات واضحة الى العبء التنظيمي والبيانات عبر الحدود وتنسيق المعلومات، كذلك فان الاشارات باتت تشير الى تعقيدات هذه الامور على الرغم من النداءات الى التبسيط والبساطة.
لذلك لا غرابة في ان تكون قلة قليلة من العالم تفهم معنى الـ Fatca او الـ Gatca لا سيما وان الغرض الحقيقي ليس جمع الاموال انما قد يكون التمهيد لخلق نظام ضريبي عالمي موحّد بدءا بالـ Fatca، سيتماشى العالم كله معها، سيما مع افلاس العديد من الحكومات والتي تحاول بواسطة Gatca سلب المواطنين من خلال فرض ضريبة عالمية جديدة. ولا توجد بلدان لمقاومة هذا النهج الجديد سيما بعد ان وقّعت روسيا والصين على Fatca فأصبح أمرا واقعا .
وقد وافقت الولايات المتحدة الأميركية بالفعل على معايير الـ Gatca مما زاد التوقعات على انه وفي نهاية المطاف سوف تحلّ Gatca محل Fatca كمعيار، انما لا توجد لغاية الآن اي تحركات لالغاء قانون Fatca مما يعني ان العديد من المؤسسات المالية ملزمة بالامتثال لهذين المعيارين ويعني اعباءا جديدة لا بد منها، علما ان Gatca تلتزم بالاجمال معايير Fatca انما تبدو اكثر صرامة لا سيما من ناحية البيانات وانفاذ العقوبات والمعاملة بالمثل والتقارير عن مكان الاقامة والذي لا يشير الى المواطنة عكس Fatca . كذلك الاعفاءات والتصنيف والذي يبدو ابسط في Gatca من Fatca كذلك عملة الابلاغ (reporting currency) والتي هي الدولار في Fatca.
وفقا لمسح اجرته Wolters kluwer academic للخدمات المالية في العام ٢٠١٤ حوالي نصف المجيبن من اكثر من ٤٠ مؤسسة مالية عبر اسيا والمحيط الهادىء تنفذ Fatca بدون مراعاة متطلبات Gatca القادمة، وهذا امر مفهوم باعتبار انه لا توجد لغاية الآن مواعيد نهائية واضحة لعدم الامتثال لمعايير Gatca ولا عقوبات ولا اي خطر محتمل.
لذلك تبدو التحديات واضحة للمؤسسات المالية والمصارف سيما من ناحية تحسين الهياكل الاساسية والعمليات الداخلية للامتثال لـ Fatca دون إغفال الصورة الاكبر. وقد وجب أن تكون الحلول المعتمدة قوية بالقدر الكافي ليس فقط لتلبية الاحتياجات لكن ايضا لمواجهة المستقبل القريب وما يحمل من تعقيدات.
ومن الواضح ان معايير الابلاغ الموحد سيبدأ في المستقبل القريب والمؤسسات المالية تحضر نفسها لهذا الأمر.
ولمتتبعي التاريخ والعملية الاقتصادية يرى ان أميركا تبيع Fatca بنفس الطريقة التي باعت بها ضريبة الدخل للأميركيين كاجراء يستهدف الاغنياء اولًا، والتي أصبحت اليوم شيئا طبيعيا بالنسبة للمواطن الأميركي. لذلك نتوقع درجة مماثلة من الدينامكية مع Fatca و Gatca وضريبة عالمية موحدة تكون اولها واخرها مرسومة حرفيا في الولايات المتحدة.
(بروفسور غريتا صعب - الجمهورية)