كتب أحد الناشطين على "السوشيل ميديا" اليوم تعليقاً من طينة المضحك-المبكي، وقد جاء فيه: "بالإذن! في مجال نعمل جمهورية وبعدين نعملّها رئيس؟! بس كرمال المنطق مش أكتر"...
تختصر هذه الكلمات كلّ التوصيفات، وتحاكي الواقع الحقيقي الذي لا يزال معظمنا يرفض تصديقه. في لبنان، ما من دولة بحسب المفهوم العام والمتعارف عليه. الحدود مستباحة. السلطة السياسية سلطات تسنّ قوانينها الخاصة. الشعب وصّفه المبدع زياد الرحباني منذ أكثر من ربع قرن في أغنية "قوم فوت نام". الحقوق والواجبات ومفاهيمها صارت وجهات نظر وأمزجة. الفساد أصبح كالسرطان متفشياً، مقاوماً لكلّ أنواع العلاجات. وبعد...
حتى حين نتكاذب فيما بيننا، أو حين نحاول إقناع أنفسنا بالعكس، تطالعنا وقائع يصعب التغاضي عنها. فكيف تكون دولة، حين نضطر (أو نختار) التماشي مع فكرة انقطاع الكهرباء عبر "اشتراك الموتور"؟ وكيف تكون دولة، حين نضطر (أو نختار) إلى انتظار "سيتيرنات" المياه كلّ مساء بلهفة روميو وجولييت متى التقيا؟ أو الى النهوض من الفراش في الوقت الذي يخرج فيه صيادو العصافير الى السهول، من أجل الوصول الى مقرّ العمل دون تأخير وحرق أعصاب في السيارات؟! أو الى الانصياع لأمر التهام النفايات، وإلا فالبديل هو الطمر...طمرنا أحياء! اللائحة طبعاً تطول، وما عادت الذاكرة تحتمل ثقلها. بات في مكان ما، من الوقاحة والرذالة مجرد التفكير باحتمال وجود دولة.
فالدولة، حقوق وواجبات، من أصغرها إلى أكبرها. الدولة اهتمام بالمستهلك، وإبداع لحمايته وخدمته. على سبيل المثال أيضاً، "إنترنت أوجيرو"! كم منكم تفاجأ، ذات يوم مشؤوم، بفاتورة "مش طبيعية" بفعل "الاستهلاك الإضافي للانترنت"؟!
بحسب أكثر من إحصاء وتقرير، لا يزال لبنان في مراتب متدنية حينما يتعلق الأمر بخدمة الانترنت مقارنة مع تكلفته. يختبر اللبنانيون هذا الواقع يومياً، مع أن هذا القطاع من شأنه تحسين الاقتصاد اللبناني وإنعاشه كونه بات "وقوداً" رئيسياً للإنتاجية.
هذا الواقع المرير لا يقتصر على رداءة الانترنت وتكلفته العالية، إنما أيضاً، وللأسف على خدمات أخرى غائبة، من شأنها إن وجدت، أن تحمي المستهلك قليلاً وتُشعره بأنه موضع احترام واهتمام.
ومن المعروف أن تقنية الـDSL التي توّفرها "اوجيرو" تتيح الدخول إلى الانترنت عبر استخدام الشبكة الهاتفية الثابتة، وهي متوافرة بسرعات وأسعار مختلفة. فبالإضافة الى الحزمة ذات السقف غير المحدد Unlimited وبسرعة 2 ميغابيت بالثانية والبالغ سعرها 75000 ليرة شهرياً (لا تشمل الضريبة على القيمة المضافة)، هناك الخيارات الأخرى المححدة السقف والتي تتراوح أسعارها بين 24000 ليرة شهرياً و125000 ليرة شهرياً. وعليه، لا يمكن المستخدم أن يطلب وضع سقف لاستهلاكه متى اختار أي من الحزمات غير المحددة السقف، وبالتالي سوف يتوجب عليه دفع 2,000 ل.ل لكل 1 GB إضافية أو 200 ل.ل لكل 100 MB إضافية عند تخطي سقف الإستعمال الشهري المحدد.
المشكلة ليست هنا (اذ يمكن المستخدم اختيار الحزمة ذات السقف غير المحدد، أو تلك التي تتوافق واستعماله الشهري للانترنت). المشكلة تكمن في غياب خدمة إنذار المستخدم متى لامس حدود السعة المحددة (على غرار ما تفعله شركتا "الفا" و"تاتش" بارسالهما رسالة نصيّة الى المستخدمين توضح لهم نسبة استهلاكهم للانترنت). هذا الأمر تحديداً قد أوقع كثيرين، ولا سيّما أبناء ما قبل عصر الانترنت، في ورطة فاتورة قد تسبب الجلطة!
والحال أن "اوجيرو" لا يمكنها تزويد مستخدميها ببيانات تظهر كيفية استهلاكهم السعة المحددة، اي داتا الاستهلاك، لكنّ المحظوظين والملحين منهم قد يحصلون على بيانات تظهر الأوقات التي تمّ في خلالها الإتصال بشبكة الانترنت.
نقول "المحظوظين والملحين" لأنه للأسف، ما من "خدمة زبائن" فعّالة في "اوجيرو". ناهيكم عن طريقة تعاطي بعض الموظفين مع المتصلين من الزبائن، فإن المشكلة الأكبر تكمن في نقص أبسط المعلومات لدى هؤلاء، أو التناقضات التي تشوبها.
عملياً، قسم "خدمة الزبائن" لا يضطلع إلا بمهمات تلقي الشكاوى وتسجيل الأعطال، فيتمّ ارسال تقنيين الى منزل المستخدم بعد ايام. وفي حال سؤال "خدمة الزبائن"عن كيفية تغيير اسم الـ router على سبيل المثال، يُطلب من المستخدم قراءة التعليمات الواردة على الموقع الالكتروني التابع لأوجيرو، واتباعها.
المفارقة أنه في حين تمثل هيئة أوجيرو العمود الفقري لقطاع الاتصالات والانترنت والتكنولوجيا، يبدو موقعها الالكتروني عالقاً في التاريخ، من حيث التصميم والتقنية ووفرة المعلومات وسهولة التصفح والاستخدام!
وعليه، ليس من وسيلة وقائية تقي شرّ "الاستهلاك الاضافي للانترنت" سوى أن يصبح المستهلك "ناطوراً"، يلج كلّ يومين إلى حسابه على موقع أوجيرو الالكتروني، ومراقبة نسبة الاستهلاك. الحلّ الثاني يكمن في اختيار الحزمة ذات السقف غير المحدد. الحلّ الثالث يؤمل أن تجترحه إدارة أوجيرو فترسل إنذارات لمستخدميها (رسائل نصية أو الكترونية...). الحلّ الرابع، أن تصبح في لبنان، دولة.