كشف حاكم مصرف لبنان رياض سلامه أن التكاليف التقريبية والواقعية التي يتكبدها لبنان جرّاء الحرب السورية تصل إلى 6 أو 7 مليارات دولار، بإضافة العجز التراكمي في ميزان المدفوعات، وتوقع أن يتجاوز النمو 2 في المئة هذه السنة بالرغم من الصعوبات السياسية الداخلية والمخاطر الأمنية.
وفي كلمة افتتاحية لمؤتمر يوروماني الخاص بلبنان (The Euromoney Lebanon Conference)، قال سلامه إن تراجع أسعار النفط قد يتيح للبلد توفير حوالى مليار أو 1,5 مليار دولار سنوياً، في حين أن انخفاض اليورو عزز قدرة لبنان الشرائية لكنه أثر في الوقت نفسه على قدرته التنافسية التي تراجعت لكون اقتصاد البلد مدولراً.
وأكد سلامه أن هيئة الأسواق المالية في لبنان (CMA) تعمل على وضع استراتيجية لدعم القطاع الخاص، لا سيما الشركات الناشئة، مضيفاً "نريد أن يقوم القطاع الخاص بإدارة وتشغيل هذه السوق، على أن تُراقب من قبل هيئة الأسواق المالية".
عُقد المؤتمر المدعوم من مصرف لبنان وهيئة السوق المالية بعنوان التكنولوجيا والتمويل شركاء من أجل النمو، بمشاركة أكثر من 300 شخص، واستهله الحاكم بالقول "إن البلدان الناشئة تواجه تحديات عديدة، مثل انخفاض أسعار السلع، لا سيما النفط. كما أنها تعاني التقلبات الكبيرة في أسعار العملات، علماً أن هذه التقلبات ستتواصل طالما لم تعد المصارف المركزية في العالم قادرة على اللجوء إلى معدلات الفائدة للتأثير على سياساتها النقدية".
أضاف "كما أن سياسات تقليص المخاطر (derisking) الناتجة عن التدابير التنظيمية المشددة المفروضة على المصارف الكبرى، ستؤذي بشكل خاص البلدان الناشئة التي ستواجه صعوبات متزايدة في التعامل مع المصارف الدولية. والواقع أن هذه التدابير التنظيمية تغيّر طبيعة العمل المصرفي الذي اعتدناه، باعتبار أن هوامش الملاءة الأعلى المفروضة من قبل السلطات الرقابية تحمل هذه المصارف على تقليص نشاطاتها".
وأوضح أن "لبنان يستفيد من تراجع أسعار النفط. ففاتورة الاستيراد تناهز 6 مليارات دولار سنويا، وبالتالي، إن تراجع أسعار النفط قد يتيح لنا توفير حوالى 1 أو 1,5 مليار دولار في السنة. أما انخفاض اليورو، فقد عزز قدرتنا الشرائية، إنما أثر في الوقت نفسه على قدرتنا التنافسية التي تراجعت لكوننا اقتصاداً مدولراً". وتابع "أضف إلى ذلك المخاطر السياسية والأمنية، لا سيما الحرب في سوريا وانعكاساتها السلبية على لبنان في السنوات الـ3 أو الـ4 الأخيرة. فمنذ اندلاع هذه الحرب، كان ميزان المدفوعات سلبياً. وإذا أردنا احتساب تكاليف الحرب السورية على لبنان، يكفي أن نضيف العجز التراكمي في ميزان المدفوعات فنحصل على رقم تقريبي وواقعي يصل إلى 6 أو 7 مليارات دولار. علاوة على ذلك، يعاني لبنان وجود 1,5 مليون لاجئ ويتحمل هذه الكلفة دون سواه. من ناحية أخرى، تأثرت سوق الاستهلاك جراء الحظر الذي فرضته بلدان مجلس التعاون الخليجي على مواطنيها".
بناء على ما تقدم، قال الحاكم "وضع مصرف لبنان استراتيجية لتعزيز الطلب الداخلي بهدف التعويض عن انحسار الطلب الخارجي. نحن نسعى إلى تعزيز التعاون القائم بين القطاع المالي والقطاعات الأخرى، لا سيما قطاع التكنولوجيا. وقد تركزت هذه الاستراتيجية على برامج قروض تحفيزية. فقد قام مصرف لبنان، لثلاث سنوات على التوالي، بمنح المصارف نحو 1.5 مليار دولار في السنة بمعدل 1 في المئة وتقوم المصارف بدورها بإقراض القطاع الخاص، على الأخص في مجال السكن والمشاريع الجديدة والطاقة البديلة والمشاريع البيئية. ولا بدّ من ذكر (NEEREA) أي المبادرة الوطنية لتفعيل الطاقة والطاقات المتجددة، التي تتوجت بالنجاح والتي خلقت 6 آلاف فرصة عمل. وحتى اليوم، تمّ منح قروض بقيمة نصف مليار دولار لقطاع الطاقة البديلة وقطاع البيئة".
على صعيد آخر، قال سلامه "إن الإشتمال المالي يتحسن. فعدد المقترضين في القطاع المصرفي ارتفع من 35 ألفاً في سنة 1993 إلى 700 ألف اليوم، مما يساهم في نمو الإقتصاد ومتانته. ونجد في لبنان 3 قطاعات استراتيجية رئيسية يمكن الإعتماد عليها لبناء مستقبل أفضل: قطاع الغاز والنفط، والقطاع المالي، وقطاع اقتصاد المعرفة. إن المصرف المركزي معنيّ بالقطاع المالي وبقطاع اقتصاد المعرفة وقد أصدر لهذه الغاية التعميم رقم 331".
أضاف "نتيجة لذلك، استثمرت المصارف حتى الآن أكثر من 200 مليون دولار في شركات ناشئة وصناديق متخصصة بالاستثمار في هذه الشركات. هناك على الأقل 40 شركة تقدمت بطلب الحصول على استثمارات من المصارف التي باتت تدرس هذه االطلبات بشكل جدّي للغاية. وقد وضع التعميم رقم 331 الهندسات المالية التي تشجع استثمار رأس مال المصارف في مثل هذه الشركات، في ما يضمن مصرف لبنان هذه الإستثمارات بنسبة 75 في المئة".
ولفت إلى أن مصرف لبنان يدعم الشركات المسرّعة للأعمال في لبنان. وفي هذا السياق، يُعنى مصرف لبنان بالمنصة التكنولوجية الرقمية المنشأة بدعم من المملكة المتحدة (UK Tech Hub) التي تبدو واعدة جدّا، خاصة وأنها تلقت ما يفوق الـ100 طلب، رغم انطلاقها منذ شهرين على الأكثر.
أما هيئة الأسواق المالية فتعمل على وضع استراتيجية لدعم القطاع الخاص، لا سيما الشركات الناشئة. وهي، بحسب سلامه، تشارك الهيئة بفعالية في تأمين بيئة مؤاتية تضمن وجود أسواق مالية عادلة تتمتع بالإدارة الرشيدة والشفافية. وقد أصدر مصرف لبنان عدة تعاميم في هذا الصدد ويسعى حاليا إلى إطلاق سوق إلكترونية تربط المصارف والمؤسسات المالية والوسطاء في لبنان بهدف خلق سوق سيولة للأسهم والسلع، لا سيما الذهب والقطع.
ومن شأن هذه السوق الإلكترونية أن تؤمن مخرجاً للشركات الناشئة الراغبة في طرح أسهمها على الجمهور في هذه الأسواق. وفي هذا السياق قال سلامه "نريد أن يقوم القطاع الخاص بإدارة وتشغيل هذه السوق، على أن تُراقب من قبل هيئة الأسواق المالية التي تعدّ المستندات اللازمة لاستدراج العروض. نحن نسعى إلى ربط هذه السوق عالمياً، لا سيما في البلدان التي تتواجد فيها الاغتراب اللبناني، فيكون لنا تمثيل في بلدان عديدة مما يتيح للراغبين أن يستثمروا في لبنان بطريقة سهلة وموثوقة".
وبالرغم من الصعوبات السياسية الداخلية والمخاطر الأمنية التي يواجهها لبنان، يتوقع سلامه نمواً يفوق 2 في المئة. ومع أن التضخم يقارب الصفر في المئة وأنه ما دون نسبة الـ4 في المئة المستهدفة، فإن سوق العملات والقطع مستقرة، بحسب سلامه، "ولا تدعو إلى تدخلنا وأسعار الفوائد مستقرة أيضا. السيولة مرتفعة في القطاع المصرفي".
كما تحدث البروفسور جاسم عجاقة من وزارة الاقتصاد والتجارة، فقال "ان وزارة الاقتصاد والتجارة ومن خلفها الحكومة اللبنانية تتجه نحو دعم الاستثمارات في القطاعات التي تستخدم التكنولوجيا كوسيلة عمل نظراً لما تخبئه هذه الشركات من نمو واعد وتدعو المستثمرين الى الاستثمار نظراً للعائد العالي الذي من الممكن أن تحصده هذه الشركات".
وشارك في الجلسة الأولى للمؤتمر التي حملت عنوان "النقاش الرقمي: كيف تستطيع التكنولوجيا أن تكون لعبة تبديل حقيقية في لبنان"، الشريك الاداري في "ليب فنتشرز" هنري عسيلي والسفير البريطاني توم فلتشر والمستشار التحريري لمؤتمرات يوروموني ريتشارد بانكس.
(المستقبل)