تعتمد اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير على السلع، بينما تشكّل إيرادات الوقود الأحفوري ما بين 70 و90 في المئة من الإيرادات المالية لعدد منها، في حين أن النسبة المتبقية من الإيرادات غير المرتبطة بالنفط، ترتبط بوضوح بالسلع، مثل البتروكيماويات والمعادن، ومنها الألومنيوم والفولاذ.
واعتبر الشريك المدير الإداري في مجموعة «بوسطن كونسلتينغ غروب الشرق الأوسط» بيورن إيويرز في تقرير أن «السلع واجهت خلال السنوات الأخيرة صعوبات أثرت في قدرتها على توليد القيمة لاقتصاد دول الخليج والشركات الإقليمية في هذه القطاعات».
وأضاف: «أولاً، أشبع الوقود الصخري الأميركي السوق بمصادر نفطية غزيرة أدت بدورها إلى تراجع أسعار النفط وخلق عجز في موازنات عدد من دول الخليج. وثانياً، ازدادت القدرة الاستيعابية للصين في الكثير من المواد مثل الكيماويات والمعادن خلال العقد الأخير، ما ولّد حالة من فرط التوريد، إضافة إلى «تسليع» الكثير من المنتجات. وأخيراً، التباطؤ الاقتصادي العالمي، الذي تضمّن تباطؤ النمو القوي في اقتصادات قوية مثل الصين، ما سيضمن تواصل الطاقة الاستيعابية الفائضة في الكثير من الصناعات في المستقبل القريب».
ولفت إلى أن «هذه العوامل أثّرت بقوة في مستويات الربح لدى الكثير من الشركات الخليجية في المنطقة، التي تلعب دوراً محورياً في أسواق السلع». وأضاف: «قد يلجأ البعض إلى تصنيف هذه التوجهات الأخيرة في خانة التحديات الدورية القصيرة المدى، إلا أنها ستشكل بداية التسليع، وهو انتقال يجب على الشركات والدول في الخليج أن تستعد له بشكل طارئ، ففي نهاية المطاف، يُنظر إلى التسليع عادة، الذي يعتبر إجراءً لتقديم العمليات والمنتجات والخدمات المميزة والقيّمة بأسعار مقبولة، كضربة قاضية لقطاع ما، إذ أنها تقود إلى تباطؤ النمو، وتراجع الأسعار، وارتفاع مستوى التنافس».
ولكن في الواقع، لا يمكن اعتبار التسليع ضربة قاضية بالضرورة، إلا أن النجاة منه، أو حتى الاستفادة منه، تتطلبان اتخاذ إجراءات وتدابير جذرية، مثل إعادة التفكير في الاستراتيجيات، وإعادة تموضع الشركة في سلسلة القيمة الخاصة بالقطاع، وإصلاح نموذج الأعمال التشغيلية. وعادة ما تفشل الشركات التي تواجه التسليع في التجاوب مع كل ما يرقى إلى الجرأة أو السرعة.
وأضاف إيويرز: «بناءً على ذلك، يبدو من الواضح أن على شركات الخليج التصرف سريعاً للخروج فائزة من عصر التسليع، قبل فوات الأوان. وتحديداً، عليها أن تدرك إمكان اكتساب أفضلية تنافسية في أسواق التسليع من خلال إتباع 3 خطوات ضرورية، وهي تطوير الموقع القوي للكلفة والحفاظ عليه، وتطوير المقدرة على استغلال العيوب والنواقص في السوق، والحفاظ على تميّز منتجاتها».
وتطرق إلى الضرورات التي يجب تطبيقها لتحقيق ذلك، وهي الأفضلية التي تعتمد على الكلفة، والأفضلية بناءً على عيوب السوق، وتمييز المنتج. وشدد على ضرورة أن «تقيّم الشركات مجموعة منتجاتها لإدراك موقعها لجهة التوريد وكيفية تطويره.
ومثال على ذلك، الاستفادة من مصادر الطاقة الرخيصة في صناعات الطاقة الثقيلة، مثل صهر الألومنيوم، ليكون مصدراً كبيراً للأفضلية. وأشار إيويرز إلى أن «عيوب السوق تتولّد عندما يصعب توقّع مكان تلاقي العرض بالطلب، ما يجعل توقّع الأسعار صعباً، ويؤدي عادة إلى تذبذب الأسعار. ويمكن للاعبين القادرين على تحديد العيوب والتجاوب مع البحث عنها، توليد قيمة كبيرة من خلال مراجحة السوق» فيمكن مثلاً «للتجارة المدعومة بالأصول مع سلع مثل النفط والمنتجات المكررة أن تأتي بقيمة إضافية للشركة، كما الحال مع أرامكو السعودية من خلال التجارة في أسواق المنتجات المكررة. وتعزز الذراع التجارية في هذه الشركة توازن النظام بين المنتجات النفطية المكررة لتحسين ودعم مجموعة استثماراتها في التكرير والتوزيع في المملكة وخارجها».
وأوضح أن «تعديل سمات المنتج وعرض القيمة يمكن أن يكون طريقة فعالة في مواجهة التسليع، إذ يساعد الشركات على تمييز منتجاتها التي تزداد تسليعاً وتعزيز القيمة. ومثال على ذلك، نجحت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)، خلال السنوات الماضية في مواصلة زيادة إنفاقها على الابتكار لزيادة عدد المنتجات المحمية ببراءات الاختراع، ما سيتيح لها تعزيز القيمة من منتجاتها. ولكن يتطلب تمييز المنتجات قدرات وإمكانات ابتكارية قد يصعب إيجادها في المنطقة، ولكن يمكن تخطي ذلك من خلال الشراكات العالمية».
وشدد على أن عدداً كبيراً من الشركات سيميل إلى توليد أفضلية لجهة التكاليف، مع إيلاء تركيز أقل على الاستفادة من عيوب السوق والتركيز على إعادة تمييز منتجاتها. ولكن هناك قيمة كبيرة يمكن حصدها من المصادر الثلاثة، اعتماداً على كيفية تطور القطاع، ويجب أخذها في الاعتبار لدى شركات الخليج التي تتعامل مع التسليع، لضمان تحقيق أفضلية تنافسية مستدامة ومواصلة تحقيق القيمة من المنتجات.