تحت عنوان "الحركة النقابية في لبنان.. تاريخٌ من الإخفاقات"، كتبت باسكال صوما في صحيفة "السفير": "من نكد الدهر الحديث عن الحركة النقابية في لبنان فيما تؤجل انتخابات "الاتحاد العمالي العام" عمداً وعلناً منذ أكثر من سنة ونصف السنة، من دون خجل ومن دون رادع أو حتى محاولة تبرير. فالاتحاد العمالي الذي يضمّ 50 اتحاداً نقابياً ومئات النقابات، ما زال أسير المصالح الخاصة والسياسية والطائفية وربما المذهبية، التي كان لها اليد الطولى في تفريخ عشرات الاتحادات والنقابات، تجميعاً لأصوات إضافية لانتخابات مجالس الاتحاد العمالي. وكان ترخيص كل اتحاد من هذا النوع، تكريساً جديداً للمنفعة الطائفية والسياسية في العمل النقابي، والمؤسف أن ذلك تم على يد وزراء عمل من منابت علمانية لكن قراراتهم جاءت تلبية لاعتبارات ووصايات متعددة.
من نكد الدهر أن تعيش الحركة النقابية على أمجادها القديمة التي سوّدتها بالأداء السيئ في السنوات التي تلت، فيما مؤسسات طويلة عريضة تصرف عمالها بلا رحمة، وأحياناً من دون تعويضات، مقابل صمت نقابي مدقع، يجعل الظلم مشروعاً، وأكل الحقوق جزءاً من يوميات هذه البلاد. إلى جانب ذلك، لا بدّ من ذكر المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي من المفترض أن يكون منصةً للحوار والتلاقي بين مختلف الجهات الاجتماعية والاقتصادية الفاعلة، أسوةً بأكثر من 80 بلدا في العالم، أنشئت فيها المجالس الاقتصادية والاجتماعية. لكنّ المجلس الاقتصادي الذي نوقش في الطائف غير ذلك المسخ الذي أنشئ بعده، ولم يستطع أن يحقق أي هدف من أهدافه لألف سبب وسبب.
من نكد الدهر أن للاتحاد العمالي العام قائداً "مفدى" واحداً لا بديل له في كل أقاصي المعمورة منذ عام 2001 وهو غسان غصن، ولا شيء حتى الآن يوحي بأنه سيترك الفرصة لغيره في الانتخابات التي من المفترض أن تجرى، على الرغم من أنه لم يعد يحق له الترشح أصلا لكونه تسلم منصبا جديدا أمينا عامّا لنقابات العمال العرب، ومن غير القانونيّ أن يجمع بين المنصبين في وقتٍ واحد، وربما صارت تجربة النقابات في كوريا الشمالية، أكثر ديموقراطية من تجربة النقابات العمالية في لبنان.
ربما كان الاستثناء الوحيد في كل تلك الإخفاقات، هو حركة هيئة التنسيق النقابية التي دعت إلى إقرار سلسلة الرتب والرواتب. لكنّ هذه الحركة انتهت بالخيبة أيضاً. وبذلك مضت سنواتٌ طويلةٌ جداً لم تستطع خلالها الحركة النقابية التي تضم مئات النقابات وآلاف العمال أن تجتمع من أجل قضية واحدة، أو نصرةً لمظلومٍ واحد، وما أكثر المظلومين، فيما ولدت في لبنان قطاعات من الأعمال والوظائف الجديدة، خصوصا في عالم الاقتصاد المعرفي والرقمي ولم تجد حتى الآن من يؤطرها وينظمها نقابيا.
في هذا السياق، أطلقت منظمة العمل الدولية ومؤسسة «فريدريتش ايبرت» تقرير «خصائص وهيكلية الحركة النقابية في لبنان»، أمس، وتضمن التقرير كل ما يخطر في البال عما تسمّى الحركة النقابية، التي توفاها الله يوم غيّبت عنها الديموقراطية ويوم أصبحت لا تهتزّ لأجل العمّال والمساكين والقضايا الإنسانية العظيمة. توفاها الله يوم تحوّلت إلى منطق «استقبل وودع، والتقى وبحث»، وغاب عنها نهج العمل، نهج الانتفاضة والرفض والصراخ في وجه من يهدرون الحقوق.
وفق التقرير فإن معدل النشاط في لبنان راكد ومنخفض، ما يعني أن نسبةً كبيرةً من السكان غير ناشطة، وبالتالي هي خارج الحركة العمالية. قدر عدد السكان المقيمين في لبنان عام 2004 بـ3755030 نسمة، 65 في المئة منهم في سن العمل (بين 15 و64 عاماً). أما الناشطون فعلاً فيشكلون 44 في المئة من السكان.
وتقدر دراسات حديثة أن 45 في المئة من الأسر اللبنانية لديها فرد من أفرادها من بين المهاجرين خلال الفترة 1992-2007.
ووفق التقرير أيضاً، في عام 2007 كان نصف العاملين بأجر في لبنان يحصلون على دخلٍ أقل من 600 الف ليرة، في الطرف الآخر من المقياس 2.3 في المئة من العاملين بأجر لديهم دخل شهري صافٍ من 2 مليون ليرة أو أكثر. وفي العام ذاته حوالى 80 في المئة من الحاصلين على شهادات حصلوا على 2 مليون ليرة أو أكثر. فيما حصل أكثر من 40 في المئة من العاملين الحاصلين على التعليم الابتدائي فقط أقل من 300 ألف ليرة! (ثمن ربطة الخبز 1500 ليرة وبالتالي الأجر لا يكفي لشراء الخبز).
كما يستفيد فقط نصف العاملين في لبنان من التغطية الصحية التي يقدمها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والجيش وتعاونية موظفي الدولة أو شركات التأمين الخاصة. أما النصف الآخر وعائلاتهم فيبقون من دون أي نوع من التغطية الاجتماعية باستثناء تلك التي توفرها وزارة الصحة.
كما يلحظ التقرير الفجوة بين الرجال والنساء لناحية المشاركة في القوى العاملة (21 في المئة من النساء، و67 في المئة من الرجال)، معتبراً أنها ترتبط بالتعريف الثقافي لأدوار النوع الاجتماعي وبعدم وجود شبكة من خدمات الدعم التي تسهل مهمة تحقيق التوازن بين مسؤوليات العمل والأسرة.
أما في ما يخصّ إبداعات الحركة النقابية أمام كل المشكلات العمالية والإنسانية، فيحدد التقرير ثلاثة عوامل ساهمت في إضعافها:
ـ تراجع الشركات المتوسطة والكبيرة بنسبة كبيرة، وانتشار المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر ذات القيمة المضافة المنخفضة نسبياً.
ـ الهجرة المتزايدة لمتخرجي الجامعات ذوي المهارات العالية الذين كانوا سيستثمرون قدراتهم في أنشطة واعدة كان يمكن أن تؤثر إيجابا في النشاط النقابي عامّة والقيادة النقابية تحديداً.
ـ نمو العمالة غير النظامية التي بدأت باستيعاب عدد متزايد من الموظفين والعمال اللبنانيين، فضلاَ عن مئات الآلاف من العمال لأجانب".
(باسكال صوما - السفير)