تحت عنوان النزوح السوري يستنزف النقد الأجنبي من لبنان بالاستيراد بمليارات الدولارات، كتب ذو الفقار قبيسي في صحيفة "الديار": حركة التجارة بين لبنان والخارج لم تكن يوما دليل حيوية في الاقتصاد اللبناني، بل ان العجز فيها بات يتصاعد بسبب ازدياد الاستيرادات وبالنقد الاجنبي، لتلبية حوالى 1,5 مليون نازح سوري اضيفوا الى المقيمين في لبنان. وهو عجز كان دائما في الميزان التجاري، حتى قبل الحرب في سوريا وحتى قبل الحرب في لبنان، عندما كان في حدود 5% عام 1975 لكن أصبح الآن حوالى 550 بالمائة! وبالتالي فان ما يبدو في الظاهر حيوية تجارية هو عملية استنزاف متواصل من ما يرد الى مخزون لبنان من العملات الأجنبية، فضلا عن آثاره السلبية على الحساب الجاري وميزان المدفوعات. وقد بات لبنان يخسر من هذا المخزون حوالى 17 مليار دولار كل عام. وقد بلغت الاستيرادات للأشهر الـ10 أشهر من العام 2016 حوالى 13 مليار دولار، ازدادت مع ازدياد النزوح السوري الى لبنان.
ومع ذلك فان جمعيات التجار تفسر اي ارتفاع في مؤشر هذا الاستهلاك بأنه دليل تحسن في الاقتصاد، فيما هو في الغالب استيرادات وبالعملة الصعبة، وليس دليل اضافة الى الناتج المحلي.
الظاهر والباطن في المؤشرات الاقتصادية
وعلى النسق نفسه العمليات العقارية، وشيكات المقاصة وعدد المسافرين عبر المطار وسواها العديد من المؤشرات منها على سبيل المثال في الاحصاءات عن الأشهر التسعة من العام 2016 بأن عمليات البيع العقارية ارتفعت بـ555 عملية، وازداد عدد المسافرين عبر المطار بـ350 ألف سائح، وارتفع عدد وقيمة شيكات المقاصة بمعدل 4,2% و5,14% على التوالي. وكل هذه الاحصاءات تبدو في الظاهر ايجابية حتى لبعض خبراء الاقتصاد، مع انها قد تحمل في طياتها أحياناً عكس ذلك أو قد يكون الكثير منها عقبة أمام النمو الاقتصادي.
وبدء من احصاءات العمليات العقارية فانها كثيراً ما تعني أن أصحاب الأموال لا يجدوا سوى "الأطيان" المجمدة في سوق الاقتصاد بدل الانتاج الصناعي والزراعي وحتى الخدماتي الذي يزيد في فرص العمل. وبالتالي فإن نظرية "إذا كان العقار ماشي فإن كل شيء ماشي" QUAND LE BATIMENT VA TOUT VA هي نظرية أصحاب أملاك عقارية يرون في نمو قيمة ممتلكاتهم الثابتة، نمواً في الاقتصاد، في حين أن هذا المؤشر المسمى «إيجابي» كثيراً ما يكون سببه الضعف لا القوة، إلا ـ واستدراكا ـ إذا حذفنا من المبيعات العقارية، الجزء من القطاع العقاري المتعلق بالشقق السكنية، التي تساهم في تأمين الاستقرار الاجتماعي، وهو الهدف الأساسي الذي سعى إليه مصرف لبنان من تحفيز التسليف الإسكاني. والباقي يدخل جزء منه أحيانا في عمليات مضاربة على أرض لبنان.
وكثيرا ما يكون ضمن الاحصاءات من قيمة المبيعات العقارية، الجزء الذي يكون الأكبر أحياناً لجهة أن صفقة عقارية كبرى عن مساحة عقار كبرى قد تشكل وحدها الجزء الأكبر من المجموع، مما يعني احيانأً أن كماً كبيراً من الأموال المعدة للاستثمار، قد حرم منه اقتصاد الانتاج الذي هو الأساس في التنمية الاقتصادية. او قد يكون الأمر أحياناً عملية عقارية كبرى، ما إن تباع حتى تعود بشكل "بيعة" أخرى بطريق آخر، وتسجل عندها البيعة الجديدة وعملية الشراء التي سبقها ارتفاعاً أو انخفاضاً في احصاءات المعادلات العقارية، دون أن يكون لهذا التواتر أي قيمة مضافة.
والأمر نفسه الحركة التجارية التي غالبيتها في لبنان سلبيات اقتصادية، لكنها في دول صناعية إذا ازداد الطلب في الأسواق لديها، يزداد على انتاج هو في الغالب وطني، أو انتاج أجنبي مستورد جرى مقايضته بانتاج وطني في جدول الميزان التجاري. وعكس ذلك غالباً في حالة لبنان الذي تتدفق إليه السلع الأجنبية بشكل اغراقي، مقابل صادرات صناعية وطنية خجولة. بدليل أنه في الأشهر العشرة الأخيرة من العام 2015، ارتفع الاستيراد إلى لبنان بحوالي 7% مقابل ارتفاع التصدير 0.4% فقط، وهو ما يقع ضمن العجز الكبير في الميزان التجاري بين الاستيرادات والصادرات التي تراجعت الى أقل من 3 مليار دولار سنويا.
فكيف والحال على هذه يمكن اعتبار ان نمو الحركة التجارية يعني نمواً في الاقتصاد؟ حتى ولو ان هذا الوضع يعطي مؤشراً مبدئياً على ارتفاع القوة الشرائية، لكنه على الصعيد الاقتصادي لا يلبث ان يتبخر في الاستهلاك بالطلب على سلع أجنبية بدل ان يدخل في العملية الانتاجية. بل انه يستنزف باستمرار موجودات النقد الاجنبي في لبنان.
اضافة الى ان المال المستعمل في الاستهلاك ليس دائماً نتيجة نمو في الداخل، بل قد يكون في جزء كبير، اما نتيجة الدفق المالي من المهاجرين اللبنانيين في العالم إلى عائلاتهم، أو قد يكون نتيجة اقتراض من المصارف. والدليل ان القروض الشخصية ترتفع في لبنان سواء بين الأفراد أو مباشرة (أو عبر شركات التسليف وبالفوائد العالية والمركبة)، او عبر المصارف، الى درجة جعلت مصرف لبنان يضع قيوداً جديدة على هذا النوع من التسليف، حرصاً على أن لا يذهب المال المتوافر إلى الاستهلاك، وبادر بدلاً من ذلك إلى تحفيز تسليف لقطاعات انتاجية مثل اقتصاد المعرفة، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، العاملة منها اصلا أو الجديدة في السوق STARTS-UP ومشاريع البيئة والتكنولوجيا.
وعلى النسق نفسه حركة شيكات المقاصة. فرغم ما يوحي به ازدياد قيمة هذه الشيكات بأنها مؤشر حيوي، لكنها كثيراً ما تكون نتيجة عمليات اقتراض كبرى بالشيكات، سلباً أم ايجاباً، ما يؤدي الى ارتفاع القيمة. وقد يكون سبب الازدياد أحياناً ان كثيرين يبيعون ممتلكاتهم ومقابل شيكات فتزداد كمية تداول الشيكات، ولو انها لغرض الهجرة التي لاحظنا ازديادها في السنوات الأخيرة بدليل الاحصاءات بأن لدى كل 3 عائلات لبنانية واحدة منها أحد أفرادها مهاجر، فكيف يكون هذا الجزء من حركة المطار نمواً اقتصادياً؟
فيما مع ازدياد الهجرة يتحرك عدد المسافرين صعوداً في المغادرة والزيارة، ومعه ازدياد دخل اللبنانيين لكن خارج لبنان، بدلا من ازدياده لدى المقيمين في داخله، أي ارتفاع في الدخل القوميGROSS NATIONAL PRODUCT الذي يشمل ناتج اللبنانيين خارج الوطن، وليس GROSS DOMESTIC PRODUCT أو ناتج اللبنانيين المقيمين داخل الوطن.
وهذا ما يأخذ بنا الى المقولة السليمة بان ما يوصف بأنه "اقتصاد لبنان" ليس الا جزء بسيطاً من "اقتصاد اللبنانيين". والعبارة الأخيرة تعني حالة لبنانية من نوع خاص بين أحوال بلدان العالم. وهي اننا شعب مهاجرين أكثر من شعب مقيمين!
(ذو الفقار قبيسي - الديار)