الحرب الوهمية التي أعقبت الاستفتاء على عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي أوهمت المستثمرين وأغرتهم بالوقوع في شعور زائف بالأمن. ارتفع مؤشر فاينانشيال تايمز 100 على خلفية ضعف الجنيه الاسترليني واقتصاد المملكة المتحدة المرن بشكل مُثير للدهشة. لكن إلى متى يستمر شهر العسل؟
يتساءل كثيرون عما إذا كانت البورصة تستطيع البقاء قريبة من أعلى مستوياتها، مع بقاء قليل من الوقت على مفاوضات "خروج بريطانيا".
بالنسبة إلى المستهلكين، الأوقات الجيدة ربما تكون قد انتهت الآن. منذ التصويت على مغادرة الاتحاد الأوروبي، أدى الجنيه الضعيف إلى رفع الأسعار بشكل عام. البيئة الانكماشية التي زينت جيوب المستهلكين بالمال خلال العامين الماضيين انتهت. وحرب الأسعار بين المتاجر الكبيرة التي سيطرت على أسعار المواد الغذائية أصبحت وراءنا. وتكاليف الوقود آخذة في الارتفاع.
هذا العام، من المتوقع أن يكون التضخم قريبا من 3 في المائة، في حين إن أجور الأُسر مصابة بالركود. ولأن ارتفاع الأسعار يتجاوز ارتفاع الأجور، نُصبح أكثر فقراً كل شهر. هذه أخبار سيئة بالنسبة إلى اقتصاد يعتمد على المستهلكين الذين يدخلون المتاجر.
في الوقت نفسه، الأسواق عُرضة للتقلّب المستمر في الوقت الذي نشق فيه طريقنا كيفما اتفق خلال العامين المُقبلين من المفاوضات الصعبة.
هناك نقطة غالباً ما تُذكر وهي أن بورصة المملكة المتحدة تختلف كثيراً عن اقتصاد المملكة المتحدة، على اعتبار أنها تستفيد من كثير من الشركات العالمية. الجانب المُشرق للجنيه الضعيف هو أنه يجعل بضائعنا وخدماتنا أكثر قدرة على التنافس والأرباح الخارجية للشركات البريطانية أكثر قيمة عند إعادة تحويلها إلى الاسترليني.
بالنسبة إلى مستثمري الدخل، توجد ميزة هنا أيضاً. تقلّبات العملة يُمكن أن تُحدِث فرقا كبيرا في دفعات أرباح الأسهم للشركات الكبيرة.
حين ينظر مستثمرو الدخل إلى بورصة المملكة المتحدة، يشعرون بأنهم مدللون من حيث قدرتهم على الاختيار. وفقاً للموقع الإلكتروني "ديجيتال لوك"، أسهم 15 شركة من الشركات المدرجة على مؤشر فاينانشيال تايمز 100 تُحقق حالياً عائدا يزيد على 5 في المائة. و13 شركة أخرى تُحقق عائدا يزيد على 4 في المائة. هذا يعني أن ما يُقارب ثُلث شركات المؤشر يوفّر دخلا يزيد على 16 ضعف سعر الفائدة الأساسي من بنك إنجلترا وأكثر من ضعف ما يمكن أن نكسبه من السندات الحكومية لأجل عشرة أعوام.
بالطبع، كلما كان العائد الظاهر أعلى، زادت فرصة عدم تحقيقه. علامات الاستفهام تبقى حول إلى متى يُمكن أن يسود تأثير العملة إذا أدى "خروج بريطانيا" إلى إبطاء الاقتصاد الأوسع.
لعل الأهم من ذلك هو الحاجة إلى تعديل المحافظ الاستثمارية لاحتساب البيئة التضخمية الناجمة عن الجنيه الضعيف. التضخم هو أمر ذا وجهين، إيجابي وسلبي. فهو يسحب تدريجياً قيمة المال. هذا جيد للمقترضين على اعتبار أنه يُخفّض قيمة ديونهم، لكنه يُضعِف القوة الشرائية لدفعات الفوائد وأرباح الأسهم المستقبلية.
مع ذلك لاحظ أن أي زيادة في التضخم من مستوى منخفض جداً ليست بالضرورة أمراً سيئاً. بإمكان الأسهم تحقيق أداء جيد في المراحل الأولى من الإنعاش. القطاع المالي يعد فائزا واضحا، لأن ارتفاع التضخم يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة، وهذا أمر إيجابي بالنسبة إلى المصارف لأنها تكسب المال من الفرق بين سعر الفائدة الذي تتقاضاه على القروض التي تُقدّمها، وسعر الفائدة الذي تدفعه على الودائع. لهذا السبب عدد من شركات إدارة الصناديق تفوّقت على أسماء مثل "إتش إس بي سي".
متاجر التجزئة للمواد الغذائية هي تحوّط آخر مُثير للاهتمام ضد الخلفية التضخمية الجديدة، بفضل الطريقة التي تعمل بها الدورة النقدية في أعمالها. قد تشتري علبة فاصوليا اليوم بسعر مُعين، لكن متجر التجزئة يدفع فقط للمورّد بعد 60 يوما بالسعر القديم. كمستهلكين، نحن لا نعرف أي البضائع عُرضة للتضخم، ما يعني أن متاجر التجزئة يُمكنها أن تدس خلسة ارتفاع الأسعار بشكل عام. المشكلة التي أثيرت حول معجون الطعام "مارمايت" كانت تحذيرا واضحا بأن ارتفاع الأسعار هو الوضع الطبيعي الجديد.
كذلك يُبشّر التضخم بالخير للشركات ذات المديونية العالية. بما أن الديون يغلب عليها أن تكون ثابتة، فإن قروض الشركات ستتآكل مع ارتفاع التضخم. إذا ولّدت الشركات حركة نقد حر إيجابية، فهذا حتى أفضل. بدون أي تغيير في القيمة الإجمالية للشركة، فإن جميع المستثمرين في حاجة إلى التوازن للانتقال من السندات إلى الأسهم لتحقيق مكاسب كبيرة. "تيسكو" تقع تحت فئتين هما متاجر التجزئة للمواد الغذائية والديون العالية. "جيه سينزبيري" تأتي مع عوائد أرباح أسهم جذّابة تزيد على 4 في المائة.
على نطاق أوسع، من الجدير البحث عن الشركات ذات القدرة التسعيرية. شركة إدارة الصناديق "هيمزويرث" تُدرج أمثال "ريكاردو"، الشركة الاستشارية العالمية للهندسة والبيئة والاستراتيجية، المُدرجة على مؤشر فاينانشيال تايمز لعموم الأسهم.
يُشير التاريخ إلى أن هناك بقعة رائعة في نطاق التضخم الذي يُناسب الأسهم - عادةً عند 2-2.5 في المائة. التضخم في المملكة المتحدة يقع الآن في منتصف ذلك النطاق بنسبة 2.3 في المائة.
إذن، إلى متى يستطيع المستثمرون في المملكة المتحدة المخاطرة بأموالهم للاستفادة من تداولات الإنعاش؟ هناك مؤشران رئيسيان تجب مراقبتهما هما تحرُّك عائدات السندات البريطانية إلى مستوى أعلى من 2 في المائة، أو مؤشر أسعار المستهلكين الذي يتّجه نحو 3 في المائة.
ومن الجدير مراقبة بيانات الشركات - أي تعليق في البنود المطبوعة بخط صغير يفيد بأن الشركات غير قادرة على تجاوز ارتفاع تكاليف المُدخلات ينبغي أن يُثير أضواء التحذير. من المرجح أننا أقرب إلى البداية من نهاية هذه العملية، والمستثمر الذكي لا يزال بإمكانه الاستفادة. لكن هذه تتطلّب نقلة نوعية من تعويذة الاستثمار "الأدنى، لفترة أطول" التي كنا نتبعها في الأعوام الأخيرة.
(الاقتصادية)