في العام 2014 كان الخبر الأوّل في الصحف، في نشرات الأخبار، على مواقع التواصل الاجتماعي، في المجالس، وأينما كان، "قلة الأمطار"، واضطرار المواطنين إلى شراء كميات كبيرة من المياه، إلى جانب خسائر زراعية لا تحصى ولا تعدّ. وبالتالي دفع المواطن فاتورة المياه للدولة من دون أن يستفيد منها كما يجب، إذ كان عليه دفع فاتورة ثانية لأصحاب الصهاريج.
في العام 2015، يمكن القول إنّ السماء عوّضت على اللبنانيين وأكرمت عليهم بغزارة الامطار والثلوج من بيروت الى الجنوب والشمال مروراً بكل المدن والقرى. إلا أنّ المفارقة، أنّ اللبنانيين مع بداية الصيف بدأوا يشترون المياه التي تنقطع ساعاتٍ وأياما في أكثر من منطقة من بيروت الى ضاحيتها الجنوبية، البقاع والشمال والجنوب. إذ يمكن القول إنّ شحّ المياه لا يرحم أحدا.
850 ملم
بالأرقام، يوضح رئيس "دائرة التقديرات في مصلحة الأرصاد الجويّة في مطار رفيق الحريري"، عبد الرحمن الزواوي أنّ "معدل كمية الامطار المتساقطة في العام 2014 بلغ 500 مللم (أي ليتر واحد بالمتر المربع الواحد)، فيما ارتفع المعدل إلى 850 ملم في العام 2015، بزيادة تعتبر جيدة". ويفيد أنّ "تلبية الحاجة المحلية من المياه يتطلب هطول متساقطات ابتداءً من معدل 825 مللم، وبالتالي من المفترض أن تكون هذه السنة جيدة، ولا يهرع المواطنون لشراء المياه منذ حزيران وتموز". ويضيف: "ربما تعود الأسباب إلى زيادة عدد السكان مع النزوح السوري وغيره، إضافةً إلى المشكلات التقنية والإدارية".
وعن توقعات العام 2016، يقول الزواوي: "لا يمكن أن نحدد أو نتوقع بدقة كيف سيكون وضع المتساقطات، لكن وفق الإحصاءات الأولية يمكن القول إنّ العام 2016 سيكون مقبولاً لناحية المتساقطات"، لافتاً الانتباه إلى أن "الشح الذي حصل في العام 2014 لا يتكرر سوى كل 7 أو 8 سنوات". ويشير إلى أنّه "في العامين 1957 و1958 لم يتعدَّ معدل المتساقطات الـ450 ملم وكان هذا أدنى معدّل، يليه سنة 2014 (500 مللم)".
ثلث الراتب؟
وإذ يبلغ الرسم السنوي الذي يدفعه كل منزل عن كل متر مكعب من المياه 330 ألف ليرة، فكم تساوي الفاتورة المائية الإجمالية التي يدفعها المواطن اللبناني العاديّ الذي قد لا يتعدّى راتبه المليون ليرة شهرياً؟
يوضح حسن وهو صاحب شركة توزيع مياه أن "السيتيرن (5 براميل) يصل الى المواطن بـ10 آلاف ليرة"، مشيراً إلى أن "عائلة من 3 أو 4 أشخاص تحتاج إلى 4 أو 5 سيتيرن أسبوعياً، أي ما كلفته حوالي 50 ألف ليرة كل أسبوع". ويلفت الانتباه الى أن "الطلب على شراء المياه كان كبيراً في العام 2014 بسبب ندرة الأمطار، وقد خفّ الطلب في العام 2015 قليلاً إلا أنّ الطلب بدأ باكراً في حزيران وتموز الحالي".
في المحصلة، وبما أنّ في كل عام 52 أسبوعاً، قد يدفع المواطن اللبناني مليونين و600 الف ليرة لشركات توزيع المياه سنوياً، يضاف إليها 330 الف ليرة لمصلحة المياه (في الحد الأدنى). وبالتالي قد تبلغ الفاتورة المائية في بعض المناطق التي يضطر أهلها الى شراء المياه على مدار السنة حوالي مليونين و930 الف ليرة سنوياً لكل عائلة، بدل 330 ألف ليرة، المبلغ الذي من المفترض أن يؤمن حاجات المواطن من المياه.
وأكثر، إذا ما قسّم مبلغ المليونين والـ930 ألف ليرة على أشهر السنة الـ12، يتبيّن أنّ الكلفة الشهرية تصل إلى 245 ألف ليرة أي حوالي ثلث راتب آلاف المواطنين الذي قد لا يتعدّى المليون ليرة. هذا قبل الحديث عن مياه الشرب التي لا تقل تكلفتها الشهرية عن 60 أو 70 ألف ليرة للعائلة الواحدة، أي 840 ألف ليرة سنوياً، لترتفع الفاتورة المائية السنوية إلى 3 ملايين و770 ألف ليرة. هذا كلّه في بلد لا يتخطّى فيه الحد الأدنى للأجور الـ675 ألف ليرة، يدفع منه المواطن فاتورتين للكهرباء المقننة، واحدة للدولة وأخرى لأصحاب المولّدات الكهربائية، وثلاث فواتير للمياه المقطوعة، واحدة للدولة، الثانية لشركات توزيع «السيترنات»، والثالثة لمياه الشرب. وهكذا...
(باسكال صوما – السفير)