يسجل النشاط الإقتصادي في لبنان مزيداً من التباطؤ في النمو في ظل الشلل الحاصل في المؤسسات الدستورية، وتداعيات الحرب السورية. وقد انعكس التلازم السلبي بين الإقتصاد والسياسة ركوداً ملحوظاً في القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية كافة، وبات اقتصادنا على شفير الهاوية، مع تضاؤل مقومات صموده في وجه العواصف المحلية منها والإقليمية.
بلغة الأرقام سجل النمو الإقتصادي تراجعاً ليصل الى 2 بالمئة، وتراجعت الإستثمارات بنسبة تجاوزت الـ 30 بالمئة، وتخطت نسبة البطالة 25 بالمئة، وميزان المدفوعات سجل عجزاً قياسياً، بلغ 850 مليون دولار في الفصل الأول من العام الحالي، مقارنة مع فائض قدره 300 مليون دولار في الفترة ذاتها من العام 2014. وبلغت خدمة الدين العام حوالي 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ووصل الدين العام الى مستويات قياسية مع ملامسته 70 مليار دولار. والأخطر أن نمو القطاع المصرفي الداعم للإستقرار، تراجع من 9 بالمئة كمعدل وسطي إلى 6 بالمئة حالياً. في المقابل القروض الممنوحة من الجهات الدولية، نجمّدها ونكاد نفقدها، بسبب تعطيل التشريع، وكذلك نجمّد في ثلاجة المحاصصة، قانون التنقيب عن البترول في البحر والبر.
يشوعي: الشلل المؤسساتي جعل الكوب يفيض
استمرار الشلل المؤسساتي، بدءاً برئاسة الجمهورية، وصولاً إلى التعطيل المجلسي والحكومي، هو ما جعل الكوب يفيض، برأي الخبير الإقتصادي الدكتور إيلي يشوعي، وأحبط المستثمر وقضى على ما تبقى من ثقة لديه.
وفي حديث لـ"
لبنان 24" حمل يشوعي الطبقة السياسية مسؤولية التدهور الإقتصادي "هي التي أعطت كل ما لديها، ولم تعد تملك ما تقدمه الى الناس، وأكبر برهان على إفلاسها هو التمديد لنفسها لأنّها تخاف من الاستفتاء الشعبي". وبداية الإنفراج، استناداً إلى مقاربته، تكون بوضع قانون التنقيب عن النفط والغاز موضع التنفيذ، بعد خمس سنوات على إقراره، وكذلك تنفيذ قانون إشراك القطاع الخاص في الخدمات العامة في التمويل والتحديث والعصرنة والإدارة.
ويضيف يشوعي: "الطبقة السياسية تدرك جيداً ما يجب فعله، ولكنها تُبقي هذه القوانين في الأدراج ولا تنفذها إلا تحت مظلة المحاصصة. ولأنّ الحوار مع هذه الطبقة، بغض النظر عن مسمياتها 8 أو 14 آذار، كمثل من يريد إلتقاط الهواء او إفراغ البحر في كوب من الماء، لذلك نحن أطبّاء الإقتصاد بانتظار ثورة ديمقراطية بيضاء بواسطة صندوق الإنتخاب".
يشوعي يعيد التردي الإقتصادي إلى جملة إخطاء اقتصادية ومالية ونقدية منذ ما بعد اتفاق الطائف وحتى اليوم:
أولاً: على صعيد السياسة النقدية التي يطبقها المصرف المركزي، هناك ثغرة تكمن في سوء إدارة السيولة، بحيث لم تحسن إدارة عرض النقد في الإقتصاد بطريقة محفزة لمرتكزات النمو أي الاستثمار والاستهلاك والتصدير، فكانت هذه السياسة دوماً انكماشية، بُنيت على جعل النقد نادراً في الاقتصاد وعلى الاحتفاظ بكميات كبيرة منه، أي ودائع البنوك، في خزائن البنك المركزي متخطيا بذلك نسب الاحتياط الإلزامي بمليارات الدولارات، مُنعت عن القطاع الخاص في سبيل تثبيت وهمي لسعر صرف الليرة. هذه السياسة النقدية هي التي أوصلت لبنان إلى مستوى اليونان، وهجرت الشباب وقضت على الطبقة الوسطى، ولم تلجم التضخم كما لم تحفّز الإنتاج ، وراكمت الديون على الخزينة.
ثانياً: السياسة المالية التي طالما بنت موازناتها على عجز مالي، وهذا العجز أوجد بعض النمو الضرفي وليس الثابت.
ثالثا: التغرات التي اعترت السياسة الاستثمارية في الفساد الإداري والمراجعات والمعاملات وعدم الاستقرار الضريبي، وكلها عوامل أثرت سلباً على المستثمر، مقرونة بضعف القدرة الشرائية وبالتالي الاستهلاكية التي تحفز المستثمر.
رابعاً: الأخطاء الفادحة والفاضحة في سياسات الخدمات العامة، كالكهرباء والمياه ومصافي البترول وإدارة الضمان وكازينو لبنان، كل الخدمات ذات الطابع الاستثماري لا تزال تشكو من علل كثيرة، ورداءة في الاداء وهدر كبير في المال العام، ومن صفقات مفضوحة ، لم تكن هذه البنى التحتية الأساسية محفزة للقطاعات المنتجة ولنمو اقتصادي ثابت.
هذه الرزمة من السياسات الأربع، أي سياسات الاستقرار الاقتصادي بلغة الاقتصاد، بقدر ما تنجح الحكومات بتطبيقها بقدر ما تنجح بتنمية اقتصادها. والثغرات التي اعترت هذه السياسات قضت على الطبقة الوسطى وهجرتها، وتسببت بندرة فرص العمل، وقلصت حجم الاسثمار، وراكمت الديون على الخزينة، وخفظت حجم الإقتصاد مقارنة مع حجم الدين".
حيال هذه الصورة فقد يشوعي الأمل بنية الطبقة السياسية القيام بالإصلاح "تصوري أنّ الأمور متأزمة، لأنّ فلان يريد هذا الموقع وعلّان ذاك الموقع، فهل المواقع ملك أبيهم وهل الكراسي أملاكاً خاصة او عامة لم نعد نفهم. أحدهم يتكلم بأمجاد الماضي ويريد اصلاحاً، ومن يقول لديه الأكثرية عليه فوراً ان يجري استفتاءً عبر صناديق الإقتراع، كفى نوماً على الأمجاد السابقة. نحن صدّقنا إلى حين برهنوا العكس، وعدونا بالكهرباء 24 فإذا بالتقنين يزداد، كفى اثراءً غير مشروع".
وإلى القيمين على السلطة يقول يشوعي: "خذوا المناصب والكراسي ولكن دعوا البلد لنا".