تسلك قضية الكهرباء مسارَها القضائي إثر إخبارٍ أصدرَته بحَقّها النيابة العامّة، لكنّ الجميع يَعلم أنّ المشكلة ليست في إدارة الكهرباء، بل في السياسة الوصيّة على هذا القطاع، والتي أدّت إلى تدميره ومنعِ تطويره حتى الآن.
طلبَ النائب العام الماليّ في بيروت القاضي علي ابراهيم مِن المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك، الحضورَ إلى النيابة العامّة الماليّة الثلثاء المقبل للاستماع إلى إفادته حولَ الإخبار الذي تَقَدّمَ به وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس عن "هدر الأموال العامّة".
وفي هذا السياق، أكّدَت مصادر في "كهرباء لبنان" أنّ المدير العام للمؤسّسة كمال حايك سيَحضر يوم الثلثاء إلى النيابة العامّة الماليّة حاملاً معه "الملفّات كاملةً، فلا شيء نخفيه أو نخجَل منه في عمل المؤسّسة".
وأوضحَت أنْ عندما زادت ساعات التقنين في كلّ المناطق اللبنانية، زادت حكماً في منطقة طرابلس. والأسباب باتت معروفة، ولطالما عرضَتها المؤسسة على الإعلام، ولعلّ أبرزَها أنّ لبنان بحاجةٍ اليوم إلى 3200 ميغاوات، في حين أنّ الإنتاج المتوافر يبلغ 1500 ميغاوات.
هذا عدا عن الطقس الحارّ وأعداد النازحين السوريّين، إلى جانب بعض الأعطال التي نتعرّض لها، عِلماً أنّ الصيانة لم تنتهِ بعد في معمل الزهراني. واستجدّ أمس توَقّف استجرار الطاقة من سوريا، التي كانت تمدّ لبنان بنحو 100 ميغاوات. فكلّ هذه العوامل زادت من العجز في قدرة المؤسسة على تأمين تغذيةٍ كاملة.
أضِف إلى ذلك أنّ القرار الحكومي بمَدِّ بيروت الإدارية 21 ساعة كهرباء يوميّاً، يؤثّر سَلباً على بقيّة المناطق، خصوصاً أنّ هناك شِحّاً في الإنتاج وزيادةً في الطلب، أي أنّ التقنين عن بقيّة المناطق يصِل إلى نحو 15 ساعة يوميّاً.
أمّا الحديث القديم المتجدّد عن الـ 2 مليار دولار فهو مستغرَب، لأنّ كلّ المسؤولين يَعرفون أنْ سَبقَ للحكومة أن اتّخذَت قراراً بدعم مؤسّسة كهرباء لبنان بسَبب عدم مواءمة تسعيرة الكيلواط/ فولت المعتمدة مع كِلفة الإنتاج. لذا تَعمَد الدولة إلى سَدّ خسارة المؤسسة بسِلفات خزينة.
وأوضحَت المصادر أنّ التعرفة الحاليّة هي نحو 127 ليرة لكلّ كيلواط/ ساعة إنتاج، في حين كانت تصِل كِلفة الإنتاج إلى 450 ليرة، لكن حاليّاً وبعدما تراجعَت أسعار النفط انخفضَت الكِلفة إلى ما بين 325 إلى 350 ليرة. وتُظهِر هذه الأرقام أنّ المؤسّسة تخسَر أقلّة 200 ليرة في إنتاج كلّ كيلواط/ساعة. لافتةً إلى أنّ رفعَ الإنتاج اليوم من دون التعرفة سيَزيد حكماً من الخسارة.
نتيجةً لذلك، نؤكّد أنّ اتّهامَنا بالعجز والهدرَ هو افتراءٌ علينا وغير صحيح أبداً، لا نظاميّاً ولا حسابياً. انطلاقاً مِن ذلك ندعو الجميعَ إلى الاطّلاع على بيانات المؤسّسة وقراراتها ومطالبتِها سَنوياً بزيادة التعرفة لتتماشى مع الكِلفة الحقيقية للإنتاج، إلّا أنّ أحداً لا يستجيب لطلبنا.
وتساءلَت المصادر لِماذا يريد المسؤولون اليوم محاسبة المؤسّسة، عِلماً أنّ كلّ بياناتها واضحة؟ أين كان الغيارى على مصلحة المؤسّسة عندما احتُلَّت لأكثر من ثلاثة أشهر من دون أن يَصدرَ أيّ إخبار في حقّ الذين احتَلّوها؟
أمّا عن التقنين الحاصل في طرابلس، فقالت المصادر: ليس صحيحاً ما تَرَدَّدَ بأنّه مرَّ 48 ساعة تقنين على هذه المنطقة، لأنّ التقنين في طرابلس كما سائر المناطق، مبديةً خشيتَها من أن يكون تحريك الشارع في طرابلس احتجاجاً على التقنين هو للتغطية على أزمات حامية أكثر، بهدف تخفيف وطأتها على المواطن.
وكان درباس تَقدَّمَ بإخبار إلى النائب العام المالي في بيروت تناوَلَ فيه "الانقطاع اليوميّ للكهرباء في طرابلس والشمال"، طالِباً "فتحَ التحقيقات اللازمة لتحديد المسؤوليات".
وجاء في الإخبار: "بالنَظر إلى الكوارث الكهربائية المتفاقمة، وخصوصاً ما حدثَ أمس في طرابلس والشمال، بحيث أصبح الانقطاع اليوميّ يصِل إلى ما لا يقلّ عن عشر ساعات متتالية، مع إنارة متقطّعة لمدّة ساعتين، وبما أنّ المكلّف اللبناني يُنفِق على قطاع الكهرباء بصورةٍ مباشرة وغير مباشرة مليارات الدولارات مِن دون أن يستفيدَ مِن استمداد الكهرباء،
وبما أنّ الخزينة اللبنانية تنفِق ما لا يقلّ عن ملياري دولار أميركي سَنوياً، ثمناً لظلام العيون، وكأنّه لا يكفينا ظلام القلوب والعقول، وبما أنّ مقامَكم الموَقّر هو المرجَع المسؤول عن صيانة وحِفظِ المال العام من الجرائم والإهمال المرتكب بحقّه، جئت بكتابي هذا بصِفتي مواطناً يقَدّم إخباراً كي يتحرّكَ الحقّ العام ويفتحَ التحقيقات اللازمة لاستنقاذ المال العام من النَزفِ المستمر وتحديد المسؤوليات".
التقنين في طرابلس
وكان سكّان طرابلس شَكَوا أمس من انقطاعٍ في التيّار الكهربائي منذ 48 ساعة، حيث لا تتعدّى ساعات التغذية الساعتين أو 3 كلّ 12 ساعة، خصوصاً وبحسَب بيان، لم يصدر أيّ توضيح من المسؤولين عن سبب زيادة ساعات التقنين والانقطاع في التيار، ولا عن الفترة التي قد يَستغرقها إصلاح الأعطال في حال وجودِها.
ومواكبةً للموضوع، أجرى النائب سمير الجسر سلسلةَ اتّصالات، استفسَر خلالها عن السبب، داعياً إلى عدمِ زيادة ساعات التقنين القاسية أصلاً.
وقد شَملت الاتّصالات، مديرَ شركة قاديشا في طرابلس عبد الرزّاق بارود الذي أبلغَه أنّ السبب يَعود لنقص في الإنتاج في معملَي الذوق والزهراني، ثمّ اتّصلَ بالمدير العام لشركة كهرباء لبنان كمال حايك ناقلاً له الصورة ومتمنّياً عليه العملَ على إعادة الأمور إلى نصابها، فأبلغَه الحايك أنّ سببَ تراجُع ساعات التغذية يَعود إلى تناقص الإنتاج من 1600 ميغاوات إلى 1500، بعد أن توَقّفَت الدولة السوريّة بالأمس عن إمداد لبنان بـ 100 ميغاوات كان يستجِرّها منها، ولذلك زادت ساعات التقنين.
بدوره، استنكرَ النائب محمّد كبّارة في تصريح "التقنينَ القاسي والعشوائي المفروض على طرابلس منذ أيام، داعياً وزارة الطاقة وشركة كهرباء لبنان إلى تحَمُّل مسؤولياتها تجاه عاصمة لبنان الثانية، وأن تعتمدَ العدالةَ في التوزيع".
وأضاف: "أهالي طرابلس يلتزمون مع شركة كهرباء لبنان بدفعِ كلّ الرسوم المتوَجّبة عليهم، وتشير الإحصاءات إلى أنّ طرابلس مِن أكثر المُدن اللبنانية التزاماً بدفعِ الفواتير، ومِن حقّ المدينة أن تنعمَ بالتيّار الكهربائي، وإذا كان هناك من نقص في التغذية العامّة فلن نسمحَ بأن يكون على حساب طرابلس".
وحَذّرَ المسؤولين المعنيين في وزارة الطاقة وشركة كهرباء لبنان مطالِباً إيّاهم "بالتراجع الفوريّ عن هذا التقنين الظالم، وإلّا سيكون لنا كلامٌ آخَر".
مصادر لـ"الجمهورية": أين كان الغيارى على المؤسّسة عندما احتُلَّت لأكثر من ثلاثة أشهر؟
(ايفا أبي حيدر – الجمهورية)