تحت عنوان ما دور "الوزير الآدمي" في هذه الحكومة؟، كتب انطوان فرح في "الجمهورية": الحكومة ستكون في الأيام القليلة المقبلة كل الحدث. وستركّز التحليلات، ومن زوايا مختلفة، سياسية واقتصادية، على استشراف إمكانات الوزراء، وما ستفعله هذه الحكومة، خصوصاً على مستوى الانقاذ المالي والاقتصادي. فهل المؤشرات تبدو للوهلة الاولى إيجابية؟ وماذا اذا نجحت الحكومة، وماذا اذا فشلت؟
في مطلع 2018، كان البلد يعيش في ظل انتظام سياسي طبيعي. في بعبدا رئيس للجمهورية يمارس صلاحياته، منذ اكثر من سنة (في حينه)، ويتمتّع بقوة شعبية وتقف وراءه كتلة نيابية كبيرة. في السراي، رئيس للحكومة عاد الى الحكم بتوافق وطني وشبه إجماع من كل القوى السياسية، ويمارس سلطته بأجواء توافقية مع رئيس البلاد. في ساحة النجمة، مجلس نيابي يعمل بإدارة رئيسه بنشاط لمواكبة طموحات السلطة التنفيذية، ويستعد أعضاؤه للانتخابات النيابية المقررة في ايار، والتي ستجري وفق قانون انتخابي جديد.
في هذا المناخ السياسي المُريح، من حيث انتظام عمل المؤسسات على الأقل، كانت التحضيرات تجري لانعقاد مؤتمر دولي لمساعدة لبنان لإبعاد كأس الأزمة المالية والاقتصادية عن عنقه.
وفي ذلك الوقت، كانت هناك نقاشات اذا ما كان يُستحسن انعقاد المؤتمر الذي أُطلقت عليه تسمية "سيدر"، قبل الانتخابات أو بعدها. لكنّ باريس، الراعي الرئيسي للمؤتمر، دفعت باتجاه انعقاده قبل الانتخابات، وتحديداً في مطلع نيسان، لأنها كانت تدرك حجم التحديات المالية والاقتصادية التي يواجهها لبنان، وكانت تعتبر انّ البلد يحتاج الى كسب كل ساعة إضافية لبدء عملية الانقاذ، لأنّ التأخير يجعل الانقاذ مكلفاً أكثر، لجهة الصعوبة، والوقت الذي قد يستغرقه.
كل هذا الكلام يدلّ على أمر واحد: الأزمة المالية والاقتصادية التي تحتلّ اليوم الأولوية المطلقة في المرحلة المقبلة، كانت قائمة وتتفاقم ووصلت الى درجة الخطورة القصوى، في ظل انتظام سياسي في السلطتين التنفيذية والتشريعية.
اليوم، وبعد الخسائر الفادحة التي لحقت بالنظام المالي في خلال تسعة أشهر من الفراغ في السلطة التنفيذية، وبعد تراجع الثقة الى مستويات دفعت الى خروج كميات من الاموال لا يُستهان بها من نظامنا المصرفي الذي يموّل الدولة والقطاع الخاص، ما هي المعطيات التي تسمح بالتفاؤل بأننا على أبواب مرحلة جديدة ستقودنا الى الخروج من النفق؟
كثيرون راقبوا "نوعية" الوزراء الذين تمّ اختيارهم للحكومة، لكي يبنوا على هذه الخيارات التكهنات والاجتهادات. وتعرّض كل وزير الى "تشريح" لتاريخه وعلومه وخبراته ومعطياته وقدراته، في محاولة لاستكشاف مُبكر اذا ما كان سينجح ام لا. لكنّ المشكلة في هذه المحاولات الاستكشافية، انها تركّز على البديل، وتهمل الأصيل، وهنا بيت القصيد.
ينبغي العودة الى النقطة المحورية التي يمكن ان تشكّل الفرق بين الانقاذ أو الغرق. هل سيبدأ زمن مكافحة الفساد، وخفض منسوبه، من خلال تغيير ثقافة الهدر والسرقة القائمة؟ وهل "نوعية" الوزير هي التي تحدّد الاجابة عن هذا السؤال؟
هناك توافق على انّ مكافحة الفساد تحتاج الى قرار سياسي. هذا الكلام رديف لحقيقة واضحة تعني انّ من يمسك بالقرار السياسي فاسد ويستفيد شخصياً من الفساد، او يتغاضى عن الفساد، لأنّ المناخ العام فاسد، ولا يستطيع ان ينافس خصومه السياسيين، اذا لم يواكبهم في الفساد.
وبالتالي، فإنّ نجاح «حكومة العهد الاولى» لا يرتبط حصراً بـ«نوعية» الوزراء، بل بالقرار الضمني الذي لا يستطيع أن يتخذه سوى ستة أو سبعة «كبار» في البلد.
طبعاً، لا قيمة للكلام العلني للكبار ولا للأصغر منهم، فالكل ينادي بالشفافية ووقف الهدر والسرقة لمنع الانهيار، لكنّ المقصود القرار الحقيقي الذي لا علاقة له بما يعلنه هذا أو ذاك.
يبقى انّ شخصية الوزير تؤثر، ومن المهم المجيء بأسماء توحي بالثقة. أولاً، لأنّ هؤلاء يستطيعون ان يصنعوا الفرق، على الاقل على مستوى الاداء اليومي. وثانياً، لأنّ اختيار الوزير قد يعكس احياناً توجهات الجهة السياسية التي جاءت به. فمن يريد وقف الفساد، يختار شخصية جاهزة ومؤهلة لهذه المهمة.
وبالتالي، هناك من يعتبر انه من خلال اختيار الجهات السياسية لوزرائها، يمكن استكشاف قرارها الحقيقي، باستكمال الفساد أو وقفه.
لقراءة المقال كاملاً
اضغط هنا.