تتجه التكنولوجيا الطبية إلى نقل الفحوص الصحية من العيادات والمختبرات إلى أماكن أكثر قربا من حياتنا اليومية.
إذ يعمل العلماء والشركات على تطوير مراحيض ذكية قادرة على متابعة مؤشرات حيوية مختلفة، من نبض القلب ومستويات الأكسجين في
الدم إلى تحليل البول والبراز، بهدف اكتشاف المشكلات الصحية في مراحل مبكرة.
وتقوم فكرة هذه المراحيض على تحويل العادات اليومية في الحمام إلى وسيلة للمراقبة الصحية المستمرة، بحيث يمكن رصد تغيرات قد تشير إلى وجود مرض قبل ظهور أعراض واضحة، ما قد يساعد على بدء العلاج مبكرا.
ومن أبرز التطورات في هذا المجال مقعد مرحاض ذكي صممته شركة "هامبرغر ميديكال"
الألمانية، وهو قادر على إجراء تخطيط كهربائي للقلب للكشف عن اضطرابات نظم القلب، وعلى رأسها الرجفان الأذيني، الذي يعد من أهم عوامل خطر الإصابة بالسكتات الدماغية.
وقد يؤدي الرجفان الأذيني إلى تكون جلطات دموية يمكن أن تنتقل إلى الدماغ وتسبب سكتة دماغية. وتكمن صعوبة اكتشافها في أنها قد تظهر وتختفي بشكل متقطع، لذلك لا يتم تشخيص بعض الحالات إلا بعد حدوث مضاعفات.
ويعتمد تشخيص الرجفان الأذيني حاليا على أجهزة مثل جهاز "هولتر" الذي يراقب نشاط القلب لمدة تصل إلى 48 ساعة، لكنه يقدم صورة محدودة عن حالة المريض خلال فترة قصيرة وقد يكون غير مريح عند الاستخدام.
ويحاول مقعد المرحاض الذكي تقديم بديل أكثر سهولة، إذ يحتوي على أربعة أقطاب كهربائية تسجل نشاط القلب لمدة 30 ثانية عند جلوس المستخدم، ثم ترسل البيانات إلى تطبيق على الهاتف يمكن مشاركتها مع الطبيب.
وأعلنت الشركة أن تجربة سريرية قارنت بين نتائج المقعد الذكي وتخطيط القلب التقليدي في المستشفيات أظهرت قدرة متقاربة في اكتشاف اضطرابات نظم القلب، لكن نتائج الدراسة لم تنشر بعد في مجلة علمية محكمة. ويبلغ سعر المقعد أكثر قليلا من 1000 جنيه إسترليني (1337 دولار)، وهو متوفر حاليا في
ألمانيا فقط.
ولا تقتصر هذه الابتكارات على مراقبة القلب، إذ طورت شركة "كاسانا"
الأمريكية مقعد مرحاض مزودا بتقنيات تقيس معدل ضربات القلب ومستويات الأكسجين في الدم باستخدام مستشعرات ضوئية.
وقد تكون هذه التقنية مفيدة خصوصا للأشخاص الذين يعانون أمراضا تؤثر في الرئتين، مثل مرض الانسداد الرئوي المزمن أو سرطان الرئة، حيث يحتاجون إلى متابعة مستويات الأكسجين بشكل منتظم.
ويستخدم كثير من المرضى حاليا أجهزة قياس التأكسج النبضي التي تثبت على الإصبع لمتابعة الأكسجين في الدم، لكن المراحيض الذكية قد توفر طريقة تلقائية لا تتطلب إجراء فحص منفصل.
وفي جانب آخر، تعمل شركات التكنولوجيا على تطوير أجهزة تراقب الفضلات داخل المرحاض للكشف عن مؤشرات صحية مختلفة.
وطورت شركة "ثرون ساينس" الأمريكية كاميرا خاصة تحلل البراز من حيث اللون والقوام والحجم، مع التركيز على اكتشاف وجود الدم، وهو أحد المؤشرات التي قد ترتبط بسرطان الأمعاء.
كما تراقب هذه التقنية خصائص البول، وتسجل تدفقه من خلال ميكروفون مدمج، وهو ما قد يساعد في اكتشاف علامات تشير إلى تضخم البروستات الحميد لدى الرجال، مثل ضعف تدفق البول أو تكرار انقطاعه.
ويرى الخبراء أن اكتشاف هذه التغيرات في وقت مبكر قد يساعد على بدء العلاج قبل تطور الحالة.
ويعتقد الدكتور جيمس كينروس، جراح القولون والمستقيم في مؤسسة "إمبريال كوليدج هيلث كير" والمتحدث باسم مؤسسة "أبحاث الأمعاء في
المملكة المتحدة"، أن المراحيض الذكية قد تصبح مستقبلا أداة مفيدة للكشف عن أمراض مثل سرطان الأمعاء، إضافة إلى متابعة استجابة المرضى للعلاجات المختلفة.
كما طورت شركة "Withings" جهازا لتحليل البول يثبت في مقدمة المرحاض، ويجمع عينة صغيرة عند كل استخدام لفحص مؤشرات مثل نسبة الماء والحموضة ومستويات الكيتونات.
وتكتسب مراقبة الكيتونات أهمية خاصة لدى مرضى السكري، إذ إن ارتفاعها قد يشير إلى تراكم خطير للأحماض في الدم. لكن أستاذ الغدد الصماء في جامعة أولستر أليكس ميراس يرى أن التقنية ما زالت بحاجة إلى إثبات فائدتها مقارنة بأجهزة قياس الكيتونات المحمولة التي يستخدمها مرضى السكري حاليا.
ورغم الإمكانات الكبيرة لهذه التقنيات، يحذر الخبراء من أن المراقبة الصحية المستمرة قد يكون لها جانب سلبي، إذ إن اكتشاف تغيرات طبيعية في الجسم قد يسبب قلقا غير ضروري لدى بعض الأشخاص.
ومع تطور هذه الأجهزة، قد تصبح المراحيض الذكية جزءا من منظومة الرعاية الصحية المستقبلية، لكنها ستحتاج إلى إثبات دقتها وفائدتها العملية قبل أن تصبح مستخدمة على نطاق واسع.