عندما تقفل في وجه الزوجين كلّ الأبواب وتفشل كلّ محاولات الحمل والإنجاب الطبيعية، لا بد لهما من اللجوء الى الطبيب المختص ليحقِّق لهما أمنيتهما المشتركة ألا وهي طفل يملأ حياتهما فرحاً وحبوراً. وبفضل التطوّر الطبي والتقنيّات المتوافرة، سيتمكّن الرجل من الإنجاب من دون سائله المنوي... كيف؟ الإجابة عن هذا السؤال مع الإختصاصي في الجراحة النسائية وطب الجنين الدكتور صلاح الجردي. في الماضي كانت الفتيات في غالبيتهن يتزوّجن في سن مبكرة وقبل إنهاء تعليمهن الجامعي. اما اليوم فيُكملن تعليمهن ويخضن ميادين العمل حتى بات سن زواج الفتاة يتخطى الثلاثين عاماً. فلا بد وأن يكون لذلك تأثيراته السلبية على الحمل والإنجاب.
فمعدل الإنجاب في أميركا كان في سبعينات القرن الماضي، في حدود 21 عاماً عند المرأة، فيما أصبح اليوم بمعدل 32 أي أنّ الفتاة تحمل للمرة الأولى بعد تخطيها الثلاثين.
وفي السابق كان الأزواج في حال لم يرزقهم الرب بالذرية الصالحة، في السنوات الأولى من الزواج، يصبرون وينتظرون خمس الى 10 سنوات، حتى يتمّ الحمل بعونه تعالى. أما اليوم، فبالكاد ينتظرون سنة أو سنتين على أبعد تقدير، ليهرعوا الى الطبيب للإستعانة بطفل الأنبوب للإنجاب.
ويؤكِّد معظم الأطباء أنّ من أهم سلبيات الزواج المتأخر، الأجنة غير الطبيعية والإجهاض فضلاً عن أنّ فرص حدوث الحمل تكون متدنّية، فامرأة في الأربعين، تُعتبر شابة، لكنها لا تستطيع الحمل سريعاً كأنثى في العشرين كذلك فإنّ نسبة الإجهاض عند امرأة حامل في الأربعين تبلغ 20 في المئة، فيما لا تتجاوز الإثنين الى خمسة في المئة لدى الحامل العشرينية.
الخصوبة الى تراجع
عندما نتطرَّق الى موضوع الخصوبة أو العقم لا يمكن أن نقول إنّ المرأة وحدها مسؤولة عن عدم الإنجاب لأنّ العقم، حسب ما أظهرته الدراسات، يكون عادة 50 في المئة بسبب المرأة و40 في المئة بسبب الرجل و10 في المئة لأسباب يجهلها الأطباء ولا يمكن تحديدها طبّياً.
ولقد أشارت دراسات أخيرة أجريت حول العقم، الى أنّ خصوبة الرجل قد تراجعت لربما بسبب ارتفاع نسبة التلوّث ونوعية الطعام غير الصحّي ونمط الحياة السريع لربما. وهناك نظريات تقول إنّ الخطر يتزايد على خصوبة الرجل ما سيؤثر على استمرار التناسل بين البشر.
ولا شك في أنّ نوعية الحوينات المنوية وسرعة حركتها وأعدادها ونسبة كثافتها في بداية القرن العشرين، كانت أفضل بكثير ممّا هي عليه اليوم.
أما أكثر المشكلات الصحية التي تؤخر الحمل لدى المرأة، فهي عدم انتظام الإباضة وغالباً ما يكون السبب تكيّس المبيضين، والعلة هذه تعاني منها نحو 8 في المئة من الساء في العالم أجمع.
وأحيانا يكون السبب أيضاً الغدّة أو الخضوع لعمليات سابقة في الحوض، أو نتيجة عاهات وتشوّهات في الأعضاء التناسلية، وفق ما أشار إليه الدكتور الجردي.
ومن أبرز أعراض تكيُّس المبيضين زيادة الشعر في الوجه وظهور البثور فضلاً عن زيادة في الوزن، وعدم انتظام الدورة الشهرية.
دكتور صلاح الجردي
• مع تطوُّر الطب هل هناك من سبب يجعل الإنجاب مستحيلاً؟
يجيب الدكتور الجردي قائلاً: "ما يعوق الحمل عند المرأة هو تقدّمها في العمر فقط، لأنها في عمر معيّن تبدأ بفقدان بويضاتها. أما الرجل الذي يعاني ضعفاً شديداً في عدد حويناته المنوية أو ليس لديه سائل منوي، سيتمكّن في المستقبل القريب من الإنجاب، لأنه بعد 10 سنوات يكفي أن يُسحب من الرجل القليل من الحمض النووي من فمه أو من أيّ خلية أخرى في جسمه، ثمّ تُفرَّغ وتُفصل نواتها التي تحتوي داخلها على الشريط الوراثي المحتوي على الجينات والمسمّى "دي أن إيه" DNA، فتُدمج النواة مع بويضة المرأة المفرَّغة وتُحقن في الرحم فيتمّ الحمل، لكن حتى اليوم نحن ما زلنا بحاجة إلى السائل المنوي عند الرجل حتى تحمل المرأة.
وفي المستقبل يمكن للفرد أن يستنسخ نفسه وليس ابنه. وهذا ما تُجرى عليه تجارب اليوم، بحيث إنّ الحيوانات تلد نفسها ولا تلد أبناءها، وفي بلجيكا تتمّ التجارب هذه على قدم وساق، وقريباً، مثلما قلنا لن يحتاج الرجل إلى السائل المنوي حتى ينجب بل من خلال الـ DNA يمكن أن تحمل زوجته.
وعن سؤال ماذا يمكن أن "يقتل" حوينات الرجل المنوية، أجاب:
"قد يكون الرجل تعرض للالتهابات في صغره أو أخذ أدوية معيّنة، أو خضع لعلاج أمراض سرطانية ما قضى على حويناته المنوية. وأحيانا يكون هناك ضعف في "البذرة" وهنا ندرس حركة الحوينات المنوية ونوعيتها وكثافتها في السائل المنوي. فهناك أيضاً درجات للخصوبة عند الرجل والمهم أن يعرف الزوجان عند أيّ طبيب يذهبان.
وبالنسبة لدكتور الجردي من المهم جداً ألّا تحمل المرأة قبل سن الـ 18 سنة لأنّ ذلك يشكل خطراً عليها تماماً مثل سن الـ 45 سنة فمثل هذا الحمل قد يسبب ولادة مبكرة واحتمال إجهاض ونزيفاً بعد الولادة، وقد يولد الطفل صغيراً جداً، وفي كلّ الحالات هناك خطر على الأم، وأنا كطبيب نسائي وحمل، أنصح بعدم الحمل عند المرأة قبل سن الـ 18 سنة.
أما الرجل فلا يتأثر بالعمر ويمكنه الإنجاب بعمر العشرين وفي السبعين. المسألة هي نفسها "فبذرة" الرجل دوماً موجودة وليس بالضرورة أن تكون نشيطة، فالرجل قد يعاني من مرض السكري أو الضغط، أو الأمراض الأخرى وكلّ هذا قد يؤثر على حيوية البذرة، والشيخوخة أيضاً تؤثر وكذلك أمراض الخصيتين لكنّ "البذرة" تبقى موجودة لكنّ المرأة -إجمالاً- لا يعود لديها بويضات كافية، بعد سن الـ 45 لتحمل وتُنجب.
وعن آخر التطوّرات في عالم الإنجاب والطب النسائي، أوضح: "أصبحنا نعرف اليوم بفضل تقنية الطفل الأنبوب أي بويضة ملقّحة هي الذكر أم الأنثى، فإذا المرأة لديها 5 بنات على سبيل المثال، وترغب في إنجاب طفل ذكر نزرع الجنين في رحمها، أو العكس، والمستقبل يحمل لنا أشياء مهمة جداً حيث سنتمكّن من معرفة إذا كان الجنين سيعاني من مرض التلاسيميا أو السرطان، من خلال الخريطة الوراثية، وذلك قبل حقن البويضة الملقَّحة في رحم المرأة.
ستكون الخريطة الوراثية أشبه بالقنبلة الذرية فهي سرّ وجود الإنسان، ويمكن أن نعرف كلّ ذرة فيها".
(تيري رومانوس - الجمهورية)